وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جريدة رطبة فشقها باثنتين ثم غرز على كل قبر منهما واحدة قالوا لم فعلت هذا يا رسول الله قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" ٤.
وقد روي هذا الحديث عن النبي ﷺ من وجوه متعددة خرجه ابن ماجه،
_________________
(١) ٤ الحديث أخرجه البخاري "ح ٢١٦"، ومسلم "ح ٤٩٢".
[ ٤٨ ]
من حديث أبي بكرة وفي حديثه: "وأما الآخر فيعذب في الغيبة" ١.
وخرجه الخلال وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ وفي بعض رواياته: "وأما الآخر فكان يهمز الناس بلسانه ويمشي بينهم بالنميمة".
وخرجه الطبراني من حديث عائشة وأنس بن مالك وابن عمر.
وخرجه أبو يعلى الموصلي وغيره من حديث جابر وفي حديثه: "أما أحدهما فكان يغتاب الناس".
وخرجه الأثرم من حديث أبي أمامة وفي حديثه قالوا يا نبي الله وحتى متى يعذبان قال: "غيب لا يعلمه إلا الله ولولا تمريج قلوبكم وتزييدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع".
وروي من وجوه أخر.
وخرج النسائي من حديث عائشة قالت: دخلت امرأة من اليهود فقالت إن عذاب القبر من البول قلت كذبت قالت إنه ليقرظ من الجلد والثوب قالت فخرج رسول الله ﷺ إلى صلاته وقد ارتفعت أصواتنا فقال رسول الله ﷺ: "ما هذا" فأخبرته بما قالت فقال: "صدقت" ٢.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن حسنة سمع رسول الله ﷺ يقول: "ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول فنهاهم فعذب في قبره" ٣.
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أكثر عذاب القبر من البول" ٤ وروي موقوفا عن أبي هريرة.
وخرج البزار والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "إن عامة عذاب
_________________
(١) ١ عند ابن ماجه برقم "٣٤٩". ٢ الحديث أخرجه النسائي "ح ٢٠٦٣". ٣ صحيح أخرجه أبو داود "ح ٢٢"، النسائي "ح٣٠"، وابن ماجه "ح ٣٤٦"، وأحمد "٤/١٩٦". ٤ صحيح أخرجه أحمد "٢/٣٢٦"، وابن ماجه "ح ٣٤٨".
[ ٤٩ ]
القبر من البول فتنزهوا منه".
وخرج البزار، والدارقطني من حديث أنس، عن النبي ﷺ قال: " اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر".
وخرج ابن عدي من حديث أنس أن النبي ﷺ مر برجل يعذب في قبره من النميمة ورجل يعذب في قبره من الغيبة ورجل يعذب في قبره من البول.
وخرج أيضا بإسناده فيه ضعف عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: "فتنة القبر من ثلاث من الغيبة والنميمة والبول".
ولكن روى عبد الوهاب الخفاف عن سعيد عن قتادة قال: كان يقال عذاب القبر من ثلاثة أثلاث ثلث من الغيبة وثلث من النميمة وثلث من البول خرجه الخلال وهذا أصح.
وخرج الأثرم والخلال من حديث ميمون مولاة النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال لها: "يا ميمونه إن من أشد عذاب القبر من الغيبة والبول".
وقد ذكر بعضهم السر في تخصيص البول والنميمة والغيبة بعذاب القبر وهو أن القبر أول منازل الآخرة وفيه أنموذج ما يقع في يوم القيامة من العقاب والثواب.
والمعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان حق الله وحق لعباده وأول ما يقضي فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ومن حقوق العباد والدماء.
وأما البرزخ فقضي فيه في مقدمات هذين الحقين ووسائلها فمقدمة الصلاة الطهارة من الحدث والخبث ومقدمة الدماء النميمة الوقيعة في الأعراض وهما أيسر أنواع الأذى فيبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال مات رجل فلما أدخل في قبره أتته الملائكة فقالوا إنا جالدوك مائة جلدة عذاب الله قال فذكر صلاته وصيامه واجتهاده قال فخففوا عنه حتى انتهى إلى عشرة ثم سألهم فخففوا عنه حتى انتهى إلى واحدة فجلدوه جلدة اضطرم قبره نارا وغشي عليه فلما أفاق قال فيم جلدتموني هذه الجلدة قالوا إنك بلت يوما وصليت ولم تتوضأ وسمعت رجلا يستغيث مظلوما فلم تغثه.
[ ٥٠ ]
ورواه أبو سنان عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة بنحوه.
ورويناه من طريق حفص بن سليمان القارئ وهو ضعيف جدا عن عاصم عن أب وائل عن ابن مسعود عن النبي ﷺ.
فعذاب القبر حصل هاهنا بشيئين أحدهما ترك طهارة الحدث والثاني ترك نصرة المظلوم مع القدرة عليه كما أنه في الأحاديث المتقدمة حصل بترك طهارة الخبث والظلم بالقول وهي متقاربة في المعنى.
وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي ﷺ قال: "إني رأيت الليلة عجبا" فذكر الحديث بطوله، وفيه "رأيت رجلا من أمتي بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوءه فاستنقذه منه" أخرجه الطبراني وغيره.
ففي هذا الحديث أن الطهارة من الحدث تنجي من عذاب القبر.
وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينجي من عذاب القبر كما تقدم ذكره في الباب الثاني لأن فيه غاية النفع للناس في دينهم.
وكذلك الجهاد والرباط فإن المجاهد والمرابط في سبيل الله كل منهما بذل نفسه وسمح بنفسه لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر وليذب عن إخوانه المؤمنين عدوهم.
وفي الترمذي عن المقدام بن معدي كرب عن النبي ﷺ قال: "للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر" وذكر بقية الحديث١.
وخرج الحاكم وغيره، من حديث أبي أيوب، عن النبي ﷺ قال: "من لقي في سبيل الله فصبر حتى يقتل أو يغلب لم يفتن في قبره أبدا" ٢.
_________________
(١) ١ صحيح: أخرجه الترمذي "ح ١٦٦٣" وقال: "هذا الحديث حسن صحيح غريب"، وابن ماجه "ح ٢٧٩٩" وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، وبقية الحديث: " ويوضع على رأسه تاج الوقار، والياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه". ٢ ضعيف. عزاه السيوطي في الجامع الصغير للطبراني في الكبير والحاكم، وضعفه الألباني هناك، وفي الضعيفة.
[ ٥١ ]
وفي صحيح مسلم، عن سليمان عن النبي ﷺ قال: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات أجري عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان" ١. وخرجه غيره وقال فيه: "وقي عذاب القبر".
وخرج الترمذي وأبو داود٢، من حديث فضالة بن عبيد، عن النبي ﷺ معناه أيضا وروي من وجوه أخر.
وخرج النسائي من حديث راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رجلا قال يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد قال: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة" ٣.
وروي مجالد عن محمد بن المنتشر عن ربعي عن حذيفة قال: إن في القبر حسابا وفي القيامة حسابا فمن حوسب يوم القيامة عذب.
وروي ابن عجلان عن عون بن عبد الله قال يقال إن العبد إذا أدخل قبره سئل عن صلاته أول شيء يسأل عنه فإن جازت له صلاته نظر فيم سوى ذلك من عمله وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من عمله بعد.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم "ح ١٩١٣". ٢ رواه الترمذي "ح ١٦٢١" وأبي داود "ح ٢٥٠٠". ٣ صحيح: أخرجه النسائي "ح ٢٠٥٢".
[ ٥٢ ]