خرج مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من علم نافع أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له" ١.
ومن حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولا يدع به قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا" ٢.
وروى عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة أن ابن أخي عابس الغفاري قال له قد قال رسول الله ﷺ: " لا تمنوا الموت فإنه يقطع العمل ولا يرد الرجل فيستعتب" ٣.
وخرج الترمذي من حديث يحيى بن عبيد الله عن أبي هريرة عن، النبي ﷺ قال: "ما من أحد يموت إلا ندم قالوا وما ندامته يا رسول الله قال إن كان محسنا ندم أن لا يكون إزداد وإن كان مسيئا ندم أن يكون نزع" ٤ يحيى هذا ضعفوه.
وروى ابن أبي الدنيا عن أبي هشام الرفاعي حدثنا حفص بن غياث عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة قال مر النبي ﷺ بقبر دفن حديثا فقال: "لركعتان خفيفتان مما تحقرون أو تنفلون يراهما هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم". غريب جدا.
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه مسلم "ح ١٦٣١". ٢ الحديث أخرجه مسلم "ح ٢٦٨٢". ٣ ضعيف أخرجه أحمد في المسند "٣/٤٩". ٤ ضعيف، أخرجه الترمذي "ح ٢٤٠٣"، وضعفه بيحيى بن عبيد الله بن موهب، وقال فيه الحافظ في التقريب "متروك" وضعفه ابن عيينة وشعبة، وأورده الإمام البخاري في الضعفاء الصغير "ت / ٣٩٩".
[ ٣٦ ]
وروى أبو نعيم في الحلية من طريق عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس أنه كان يمر على المقابر بدمشق بتهجير يوم الجمعة فسمع قائلا يقول هذا يونس بن حلبس قد هجر يحجون ويستمرون كل شهر ويصلون كل يوم خمس مرات أنتم تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم قال فالتفت يونس فسلم يردون قالوا سمعنا كلامك وكلها حسنة وقد حيل بيننا وبين الحسنات والسيئات.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي أن رجلا خرج في جنازة فانتهى إلى قبر قال فصليت ركعتين ثم اتكأت عليه فربما سمعت أبا عثمان يقول فوالله إن قلبي ليقظان إذ سمعت صوتا من القبر إليك ولا تؤذني فإنكم قوم تعملون ولا تعلمون وإنا قوم نعلم ولا نعمل لأن يكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من كذا وكذا.
وبإسناده عن أبي قلابة قال أقبلت من الشام إلى البصرة فنزلت الخندق فتطهرت وصليت وكعتين بالليل ثم وضعت رأسي على قبر فتمت ثم انتهيت فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول لقد آذيتني منذ الليلة ثم قال إنكم لا تعلمون ونحن نعلم ولا نقدر على العمل إن الركعتين اللتين ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ثم قال جزى الله أهل الدنيا خيرا أقرئهم منا السلام فإنه يدخل علينا من دعائهم نور مثل الجبال.
وبإسناده عن زيد بن وهب قال حدثني رجل قال رأيت أخا في فيما يرى النائم فقلت فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال قلتها لئن أقدر أن أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم قال ألم تر حيث يدفنون فلانا فإن فلانا قام فصلى ركعتين لأن أكون أقدر أن أصليها أحب إلأي من الدنيا وما فيها.
وبإسناده عن مطرف بن عبد الله الحرشي قال شهدت جنازة واعتزلت ناحية قريبا فصليت ركعتين كأني خففتهما لم أرض إتقانهما ونعست فرأيت صاحب القبر يكلمني فقال ركعت ركعتين لم ترض إتقانهما قلت قد كان ذلك قال تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم ولا نستطيع أن نعمل لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها.
[ ٣٧ ]
وبإسناده عن مفضل بن يونس قال كان ربيع بن راشد يخرج إلى الجبان فيقيم سائر نهاره ثم يرجع مكتئبا ثم يرجع فيقول أهله أين كنت فيقول كنت في المقابر نظرت إلى قوم منعوا ما نحن فيه ثم يبكي.
وبإسناده عن الحسن قال دخلت أنا وصفوان المقابر فقنع رأسه ثم لم يزل يذكر الله تعالى حتى خرجنا من المقابر فقلت له في ذلك فقال إني قد ذكرتهم وما حضر عليهم من ذلك ونحن في المهلة فأحببت أن أقدم لذلك شيئا من عمل قال الحسن أحب والله أن يكون لي في كل خير نصيب.
وبإسناده عن الفضل الرقاشي أنه كان يقول في كلامه إذا ذكر أهل القبور لا لها من وجوه حيل بينها وبين السجود لله ﷿ لو يجدون إلى العمل مخلصا بعد المعرفة بحسن الثواب لكانوا إلى ذلك سراعا ثم يبكي ويقول يا إخوتاه فأنتم اليوم قد خلي بينكم وبين ما عليه ترجون إليه فكاك رقابكم ألا فبادروا الموت وانقطاع أعمالكم فإن أحدكم لا يدري متى يحترمه ليلا أو نهارا.
وبإسناده عن صفوان بن سليم أنه كان في جنازة في نفر من العباد فلما صلي عليها قال صفوان أما هذا قد انقطعت عنه أعماله واحتاج إلى دعاء من خلف بعده فأبكى القوم جميعا.
وقال أبو وهب محمد بن مزاحم قال قام رجل إلى ابن المبارك في جنازة فسأله عن شيء فقال له يا هذا سبح فإن صاحب السرير منع التسبيح.
"و" كان عمرو بن عيينة يخرج بالليل إلى المقابر ويقول يا أهل القبور طويت الصحف ورفعت الأعمال ثم يصلي حتى يصبح ثم يرجع إلى أهله.
ورئي بعض الموتى في المنام فقال ما عندكم أكثر من الغفلة وما عندنا أكثر من الحسرة.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن يزيد بن نعامة قال هلكت جارية في الطاعون فلقيها أبوها بعد موتها في المنام فقال لها يا بنية أخبرني عن الآخرة فقالت يا أبت قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون والله لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة في عملي أحب إلي من الدنيا وما فيها.
[ ٣٨ ]
ومر بعض السلف بالمقابر فقال أصبح هؤلاء زاهدين فيما نحن فيه راغبون، وكان داود الطائي مع جنازة فقال في كلامه أعلم أن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور إنما يفرحون بما يقدمون ويندمون على ما يخلفون فما عليه أهل القبور ندموا عليه أهل الدنيا يقتتلون وفيه تنافسون وعليه عند القضاة يتخاصمون.
[ ٣٩ ]
فصل
بعض أهل البرزخ يكرمه الله بأعماله الصالحة عليه في البرزخ وإن لم يحصل له ثواب تلك الأعمال لانقطاع عمله بالموت لكن إنما يبقى عمله عليه ليتنعم بذكر الله وطاعته كم يتنعم بذلك الملائكة وأهل الجنة في الجنة وإن لم يكن لهم ثواب على ذلك لأن نفس الذكر والطاعة نعيما عند أهلها من نعيم جميع أهل الدنيا ولذاتها فما تنهم المتنعمون بمثل ذكر الله وطاعته.
وخرج الترمذي من حديث ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتي النبي ﷺ فقال يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة الملك تبارك حتى ختمها فقال رسول الله ﷺ: "هي المانعة"، هي المنجية: تنجيه من عذاب القبر١.
خرج أبو عبد الله بن مندة بإسناده ضعيف من حديث طلحة بن عبيد الله، قال: أردت مالي بالغابة فأدركني الليل فآويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حرام فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها فجئت إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: " ذلك عبد الله ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت وعلقها وسط الجنة فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم إلى مكانها التي كانت".
روى أبو نعيم بإسناده عن محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني إبراهيم بن الصمة المهلبي قال حدثني الذين كانوا يمرون بالحصن بالأسحار قالوا كنا إذا مررنا بجنبات ثابت البناني سمعنا قراءة القرآن.
وبإسناده عن يسار بن حبيش عن أبيه قال أنا والذي لا إله إلا هو أدخلت ثابت البناني في لحده ومعي حميد ورجل غيره فلما سوينا عليه اللبن سقطت لبنه، فإذا به
_________________
(١) ١ ضعيف: أخرجه الترمذي "ح ٢٨٩٠" وفيه يحيى بن عمرو بن مالك النكرى. ضعفه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وابن حجر. انظر الضعفاء "ت/ ٦٢٩"، "ت/ ٨٥٨٠". والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع، وفي "ح ٢١٥٤".
[ ٤٠ ]
يصلي في قبره فقلت للذي معي ألا تراه قال اسكت فلما سوينا عليه وفرغنا أتينا ابنته فقلنا لها ما كان عمل ثابت قال وما رأيتم فأخبرناها فقالت كان يقوم الليل خمسين سنة فإذا كان السحر قال في دعائه اللهم إن كنت أعطيت أحدا الصلاة في قبره فأعطينها فما كان الله ليرد ذلك الدعاء.
وقال أبو بكر الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن بشر حدثنا سليمة بن شبيب حدثنا حماد الحفار قال دخلت المقابر يوم الجمعة فما انتهيت إلى قبر إلا سمعت فيه قراءة القرآن.
وروى أبو الحسن في كتاب "الروضة" عن عبد الله به محمد عن منصور حدثني إبراهيم الحفار قال حفرت قبرا فبدت لبنة فشممت رائحة المسك حين انفتحت اللبنة فإذا شيخ جالس في قبره يقرأ القرآن.
وروى هبة الله الطبري اللالكائي الحافظ في كتاب "شرح السنة" بإسناده عن يحيى بن معين قال قال لي حفار مقابر أعجب ما رأيت من هذا المقابر أني سمعت في قبر أنينا كأنين المريض وسمعت من قبره المؤذن وهو يجيبه من القبر.
وروى الحافظ أبو بكر الخطيب بإسناده عن عيسى بن محمد الطوماري قال رأيت أبا بكر بن مجاهد المقرئ في النوم كأنه يقرأ وكأني أقول مت وتقرأ فكأنه يقول لي كنت أدعو الله في دبر كل صلاة وعند ختم القرآن أن يجعلني ممن يقرأ في قبره.
وحدثني المحدث أبو الحجاج يوسف السرمدي حدثنا شيخنا أبو الحسن علي بن الحسين السامري خطيب سامرا وكان رجلا صالحا وأراني موضعا من قبور سامرا فقال هذا الموضع لا يزال يسمع منه قراءة سورة تبارك.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب ذكر الموت بإسناده فيه نظر عن الحسن أنه سئل عن الرجل يموت ولم يتعلم القرآن يبلغ درجة أهل القرآن فبكى الحسن وقال هيهات هيهات وأني له بذلك ثم قال بلغني أن المؤمن إذا ما ت ولم يأخذ من القرآن أمر حفظته أن يعلموه القرآن في قبره حتى يبعثه الله يوم القيامة مع أهله،
وبإسناده عن يزيد الرقاشي قال بلغني أن المؤمن إذا مات وقد بقي عليه شيء من القرآن لم يتعلمه بعث إليه ملائكة يحفظونه ما بقي عليه منه.
[ ٤١ ]
قال: وحدثنا صالح بن عبد الله الترمذي حدثنا الضبي بن الأشعث سمعت عطية بن زيد العوفي يقول بلغني أن العبد إذا لقي الله ولم يتعلم كتابه علمه في قبره حتى يثبته الله عليه.
وخرجه أبو القاسم الأزهري في كتاب "فضائل القرآن" من رواية عبد الكريم بن الهيثم حدثنا الحسن بن عبد الله بن حرب حدثنا الضبي بن الأشعث بن سالم حدثني عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ القرآن ولم يستظهره أتاه ملك فزجره في قبره فلقي الله وقد استظهره".
وهذا المرفوع لا يصح.
وخرج الخلال في كتاب "السنة" من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان وفيه ضعف عن أبيه عن عكرمة قال قال ابن عباس المؤمن يعطى مصحفا في قبره يقرأ فيه.
وخرجه ابن البراء في "الروضة" من طريق حفص بن عمر العدني وفيه ضعف أيضا عن الحكم بن أبان.
ورئي الحافظ أبو العلى الهمداني في النوم بعد موته وهو في مدينة جدرانها وحيطانها كلها كتب فسئل عن ذلك فقال سألت الله أن يشغلني بالعلم كما كنت أشتغل به فأنا أشتغل بالعلم في قبري أو كما قال.
ورئي الحافظ عبد القادر الرهاوي في النوم بعد موته وهو يسمع الحديث فقال أنا لا أزال أسمع الحديث إلى يوم القيامة أو كما قال.
[ ٤٢ ]