لقد خلق الله تعالى الإنسان وكرمه وفضله على جميع المخلوقات وسخر جميع ما في الكون لخدمته قال تعالى ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ الجاثية١٣.
ولقد اهتم الإسلام بغذاء المسلم اهتماما لم يسبقه إليه أي دين أو تشريع من قبل فلا يخلوا كتاب من كتب الفقه أو التشريع من باب في علم التغذية يسمى باب الأطعمة أو الأشربة وكذلك من باب في علم التداوي وبين الإسلام فيما بين الأطعمة المباحة والأطعمة المحرمة.
إن الطعام الصحي والأغذية المتوازنة هما مفتاح التمتع بصحة جيدة وقوية وإن حياتنا تقوم على التغذية السليمة فالتغذية توفر للجسم كل العناصر الضرورية للحياة، والنقص فيها مصدر للأمراض والاضطرابات من كل نوع وهناك نمطان أساسيان لسوء التغذية يتعلق أحدهما بحصول الجسم على مغذيات تقل عن حاجته وبينما يتعلق الآخر بحصوله على فائض منها وفي كلتا الحالتين نجد اختلالا بين العرض والطلب بالنسبة لما يحتاجه الجسم من المواد الخام لحفظ حياته، والتغذية السيئة تسبب تعبا للجسم وأمراضا عديدة لذلك جعل الله سبحانه لنا قوانين إلهية تقينا من شر هذه الأمراض وهي:
١ - عدم ملأ البطن قال - ﷺ -: «ما ملا آدمي وعاء شرا من بطنه» صحيح الجامع٢/ ٥٦٧٤.
٢ - تنويع أصناف الطعام فإن الجسم يحتاج إلى عناصر غذائية متنوعة لينعم بالصحة والنشاط والله سبحانه سخر لنا كل ما يحتاجه الجسم من أصناف الطعام فسخر لنا الأنعام وألبانها والجنات وثمارها قال تعالى ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه. أنا صببنا الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا. فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا. متاعا لكم ولأنعامكم» عبس ٢٤ - ٣٢.
٣ - عدم الإسراف والتبذير في الأكل والشرب قال تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ الأعراف٣١.
فبعد أن عرفنا تلك القوانين الثلاثة لابد أن نعرف مصدر الطعام الذي يدخل معدتنا فيجب أن يكون حلالا قال - ﷺ -: «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به» صحيح الجامع٢/ ٤٥١٩. والسحت: الحرام.
وبعد أن علمنا من أين نأكل وكم مقدر الطعام الذي يدخل معدتنا يستحب لنا أن ننوي قبل الأكل والشرب وإليك بعض النوايا لتجمع أكبر قدر ممكن من الحسنات وأنت تتمتع بالأكل والشرب:
[ ١١ ]
١ - طاعة لأمر الله تعالى قال - ﷺ -: «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) وقال (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم») صحيح الجامع١/ ٢٧٤٤.
٢ - إقتداء بالرسول - ﷺ -، فقد كان يأكل من أصناف الطعام ما يحب «كان يحب الحلواء والعسل» صحيح الجامع٢/ ٤٩١٩. و«كان يعجبه الحلو البارد» صحيح الجامع٢/ ٤٩٨٠. و«كان يحب الزبد والتمر» صحيح الجامع٢/ ٤٩٢١. و«كان يعجبه الذراع» صحيح الجامع٢/ ٤٩٨١. أي: ذراع الشاة. و«كان أحب الشراب إليه الحلو البارد» صحيح الجامع٢/ ٤٦٢٧، وكان يقول - ﷺ -: «عليكم بلحم الظهر فإنه من أطيبه» صحيح الجامع٢/ ٤٠٨٠.
٣ - للتقوي والنشاط على العبادة والعمل فإن العقل السليم في الجسم السليم وإذا تغذى الإنسان وحرص على النافع، وابتعد عن الضار فإن جسمه يصبح قويا سليما قال - ﷺ -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» صحيح الجامع٢/ ٦٦٥٠.
٤ - لعدم الوقوع في حديث - ﷺ -: «لا ضرر ولا ضرار» صحيح الجامع٢/ ٧٥١٧. فإن المسلم إذا لم يأكل فإنه يضر نفسه وهذا حرام في الإسلام.
٥ - للراحة فإن الجائع يصعب عليه صنع أي عمل حتى أن الرسول - ﷺ - كان يتعوذ من الجوع قال - ﷺ -: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع» صحيح الجامع١/ ١٢٨٣.
٦ - لنيل مغفرة الله ﷿ قال - ﷺ -: «من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه») صحيح الجامع٢/ ٦٠٨٦.
٧ - للفوز برضا الله تعالى بالشكر بعد الأكل قال - ﷺ -: «إن الله تعالى ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها» رواه مسلم:٢٧٣٤.
٨ - للفوز بأجر الشكر على الطعام قال - ﷺ -: «الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر» صحيح الجامع٢/ ٣٩٤٣.
٩ - لكسب أجر الصدقة قال - ﷺ -: «ما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة وما أطعمت نفسك فهو لك صدقة» صحيح الجامع٢/ ٥٥٣٥.
١٠ - لجمع الحسنات قال - ﷺ -: «إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه» صحيح الجامع٢/ ٣٩٨٦.
١١ - التأدب بآداب الطعام لما فيها من اقتداء للنبي - ﷺ - والفوز بالحسنات وإليك بعض الآداب ..
*الجلوس جلسة معتدلة وعدم الاتكاء؛ قال - ﷺ -: «لا آكل متكئا» رواه البخاري:٩/ ٤٧٢،
* قال - ﷺ - «سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» البخاري:٩/ ٤٥٨،مسلم:٢٠٢٢
*قال - ﷺ -: «لا تأكل بالشمال فإن الشيطان يأكل ويشرب بالشماله» رواه مسلم:٢٠١٩
* «كان - ﷺ - يأكل بثلاث أصابع» رواه مسلم:١٠٣٢
* قال - ﷺ -: «أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي» صحيح الجامع١/ ١٧١.
* «كان - ﷺ - إذا شرب تنفس ثلاثا وقال: هو أروى وأبرأ وأمرأ» رواه مسلم:٥٢٨٧
* قال - ﷺ -: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط ما كان بها من أذى ثم يأكلها ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة» رواه مسلم:٢٠٣٣
[ ١٢ ]
* قال - ﷺ -: «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأبدلنا خيرا منه، وإذا شرب لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن» صحيح الجامع١/ ٣٨١.
* قال - ﷺ -: «إذا شربتم اللبن فتمضمضوا منه فإن له دسما» صحيح الجامع١/ ٦٢٨.
فهذه إحدى عشرة نية قطفناها من بستان السنة لنحصل على الثواب العظيم في الآخرة والفائدة الكبرى في الدنيا وهي تمتعك بصحة جيدة. فيستحب لكل مسلم أن ينويها.
وصايا نبوية قيمة:
١ - قال - ﷺ -: «عليكم بهذه الحبة السوداء فإن فيها شفاء من كل داء» صحيح الجامع٢/ ٤٠٨٣.
٢ - قال - ﷺ -: «عليكم بألبان البقر فإنها دواء وأسمانها فإنها شفاء وإياكم ولحومها فإن لحومها داء» صحيح الجامع٢/ ٤٠٦٠.
٣ - قال - ﷺ -: «العجوى من الجنة وفيها شفاء من السم والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» صحيح الجامع٢/ ٤١٢٧.
فلنحاول جميعا أن نتبع هذه الوصايا والآداب العظيمة لنرى أثرها العظيم في تنظيم طعامنا ورعاية صحتنا ونقطف ثمار اتباعنا لها في الدنيا والآخرة.
**