إن المتأمل في سنن الله تعالى، ليعلم أن البلاء سنة من سننه الكونية القدرية، يقول الله ﷿: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾ سورة البقرة: ١٥٥.
فلقد قدر الله مقادير الخلائق وآجالهم ونسخ آثارهم وأعمالهم وقسم بينهم معايشهم وأموالهم وخلق الموت والحياة ليبلوهم أيهم أحسن عملا وجعل الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره ركنا من أركان الإيمان، فما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئته وإرادته وما في الكون كائن إلا بتقدير الله وإيجاده والدنيا طافحة بالأكدار والأنكاد مطبوعة على المشاق والأهوال والعوارض والمحن، هي كالحر والبرد لا بد للعبد منهم والنفس لا تزكوا إلا بالتمحيص قال تعالى: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ آل عمران: ١٤١. يقول ابن الجوزي: من أراد أن تدوم له السلامة والعافية من غير بلاء فما عرف التكليف ولا أدرك التسليم.
والابتلاء لا يكون إلا عكس المقاصد وخلاف الأماني وضد الملذات، والكل حتما يتجرع مرارته ولكن ما بين مقل ومستكثر، يبتلى المؤمن ليهذب لا ليعذب؛ فتن في السراء ومحن في الضراء قال تعالى ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون﴾ الأعراف: ١٦٨. والمكروه قد يأتي بالمحبوب، والمرغوب قد يأتي بالمكروه، فلا تأمن أن توافيك المضرة من جانب المسرة، ولا تيأس أن تأتيك المسرة من جانب المضرة قال تعالى ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم﴾ سورة البقرة: ٢١٦. والفائز الحقيقي من مصائب الدنيا هو المؤمن قال - ﷺ - «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا المؤمن إذا أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» رواه مسلم:٢٩٩٩
والصبر من محاسن أخلاق المسلم التي يتحلى بها، وهو: حبس النفس عما تكره أو احتمال المكروه بنوع من التسليم والرضى ولا يأذن لها في فعلها مهما تاقت لذلك طبعها ويحبسها عن البلاء إذا نزل بها فلا يتركها تجزع أو تسخط بل تبذل الجهد وتصبر. قال - ﷺ - «إن الله تعالى ينزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر البلاء» صحيح الجمع١/ ١٩١٩. وقال - ﷺ - «ومن يتصبر يصبره الله» البخاري:٣/ ٢٦٥،مسلم:١٠٥٣
والصبر ثلاثة أنواع:
١ - الصبر على الأقدار:
لابد لكل مسلم أن يعلم أنه كلما تسمك بدينه كلما عظم بلاءه، وليس هذا عجيبا لأن الله تعالى يبتلي المسلم على قدر دينه، وكلما صبر وتحمل كثر جزاؤه وارتفعت درجته في الجنة قال - ﷺ - «يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلائه وإن كان في دينه رقَّة ابتلي على حسب دينه» السلسلة الصحيحة:١/ ٢٢٥
والصبر على الأقدار هو أن تصبر على ضيق المعيشة أو قلة الرزق أو مرض يصيبك أو فقد حبيب أو ضياع منصب أو مال ..
٢ - الصبر على ترك المعاصي:
هو أن تجاهد وتصبر نفسك على ترك المعاصي من أجل الله تعالى فإذا دعتك نفسك يوما إلى المعصية فتذكر مراقبة الله تعالى لك وأنه قادر عيك ومحيط بك وتذكر الوقوف بين يديه ..، واعلم أن الله
[ ٥٤ ]
تعالى سيبدلك خير منها في الآخرة، بأن يجعلك تتمتع بكل الملذات، فإن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.
٣ - الصبر على فعل الطاعات:
وهذا النوع من أصعب أنواع الصبر فهو لا يكون بالقلب فقط بل بالقلب والعقل والجوارح، فعندما تتكاسل عن أداء الصلاة لابد أن تصبر وتجاهد نفسك لتقوم وتصلي وكذلك الصوم، فإنه يحتاج إلى صبر على ترك الطعام والشراب والشهوات قال تعالى: ﴿رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته﴾ مريم: ٦٥. وجميع الأعمال الصالحة تحتاج إلى صبر ومجاهدة للنفس؛ قال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين﴾ محمد: ٣١. فجاهد نفسك واصبر إلى أن تلقى الله تعالى في دار النعيم المقيم والراحة الدائمة.
- شروط الصبر:
١ - قال - ﷺ - «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» البخاري:٣/ ١٣٨.
٢ - قول ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ سورة البقرة: ١٥٦.
٣ - عدم خروج كلمة تنافي حكم الله تعالى، فرب كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان.
٤ - عدم الضجر والتسخط.
٥ - الرضى بقضاء اله تعالى، قال - ﷺ - «عجبت للمؤمن إن الله تعالى لم يقض له قضاء إلا كان خيرا له» صحيح الجامع٢/ ٣٩٨٥.
٦ - عدم الشكوى لغير الله تعالى.
٧ - احتساب الأجر من الله تعالى.
٨ - اليقين بفرج الله تعالى.
- كيف تهون عليك المصيبة؟
١ - أنها لم تكن في الدين.
٢ - معرفة عظم الأجر من الله تعالى.
٣ - معرفة قصر الدنيا.
٤ - التيقن بفرج الله تعالى وأنه سيبدلك خيرا منها.
٥ - تذكر رحمة الله تعالى.
٦ - أنها لم تكن أكبر من ذلك.
٧ - النظر فيمن فوقك من أصحاب المصائب.
٨ - أنك لا تعلم أين الخير، قال تعالى ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ سورة البقرة: ٢١٦.
- لماذا نصبر؟
* النية الأولى:
١ - طاعة لأمر الله تعالى، قال ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا﴾ آل عمران: ٢٠٠.
٢ - اقتداء بالنبي - ﷺ - فقد ضرب لنا أروع الأمثلة في الصبر وتحمل المشاقّ ليبلغنا الإسلام وينقذنا من النار.
* النية الثانية: للفوز بأجر الصبر.
أخي الحبيب: خفف المصاب عن نفسك بوعد الأجر وتسهيل الأمر لتذهب المحن بلا شكوى.
[ ٥٥ ]
١ - سبب لمغفرة الذنوب قال - ﷺ - «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة؛ في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» صحيح الجامع٢/ ٥٨١٥.
٢ - يرفع الدرجات، قال - ﷺ - «إن الرجل ليكون له منزلة عند الله فما يبلغها بعمل، فلا يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها» صحيح الجامع:١/ ١٦٢٥
٣ - يجلب الحسنات ويكفر السيئات قال - ﷺ - «ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة» صحيح الجامع٢/ ٥٧٢٣. وقال - ﷺ - «ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفر الله عنه به من سيئاته» صحيح الجامع٢/ ٥٧٢٤، وفي رواية أخرى «ما من شيء يصيب المؤمن من نصب ولا حزن ولا وصب، حتى الهم يُهِمه إلا يكفر الله به عنه من سيئاته» صحيح الجامع٢/ ٥٧٢٥.
٤ - الفوز بتعويض الله تعالى بخير منها قال - ﷺ - «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: (إنا لله وإنا إليه راجعون) اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف الله له خيرا منها» صحيح الجامع٢/ ٥٧٦٤.
٥ - البشرى برحمة الله تعالى وهدايته، قال تعالى: ﴿وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ سورة البقرة: ١٥٥.
٦ - الجزاء بخير ثواب قال تعالى: ﴿ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ النحل: ٩٦.
٧ - الأجر بلا نهاية قال تعالى ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ الزمر: ١٠. أي بلا نهاية.
٨ - حفظ الله وإعانته لصابر، قال تعالى: ﴿استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾ سورة البقرة: ١٥٣.
٩ - سبب من أسباب دخول الجنة قال تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ الرعد: ٢٣.
١٠ - الصبر نور يشع على القلب والجسد قال - ﷺ - «الصبر ضياء» رواه مسلم:٢٢٣.
١١ - ينزل الطمأنينة والسعادة قال - ﷺ - «إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلى فصبر» صحيح الجامع١/ ١٦٣٧.
١٢ - يدفع عذاب الآخرة قال - ﷺ - «عذاب أمتي في دنياها» صحيح الجامع٢/ ٣٩٩٣.
١٣ - فيه سبق إلى الجنة قال - ﷺ - «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام» صحيح الجامع٢/ ٨٠٧٦.
١٤ - أفضل رزق للعبد قال - ﷺ - «ما رزق عبد خيرا له ولا أسع من الصبر» صحيح الجامع٢/ ٥٦٢٦.
١٥ - الفوز بأجر الحاج؛ قال - ﷺ - «قال تعالى: إذا ابتليت عبدا من عبادي مؤمنا فحمدني وصبر على ما ابتليته فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الرب ﷿ للحفظة: إني أنا قيدت عبدي هذا وابتليته فأجْرُوا له ما كنتم تجرن له قبل ذلك من الأجر وهو صحيح» صحيح الجامع٢/ ٤٣٠٠.
١٦ - الضمان بالجنة قال - ﷺ - «قال تعالى: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه – أي عينيه – ثم صبر عوضته منهما الجنة» صحيح الجامع٢/ ٤٣٢.
[ ٥٦ ]
١٧ - سبب من أسباب الفلاح، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ آل عمران: ٢٠٠.
١٨ - يحل البركة قال - ﷺ - «إن الله تعالى يبتلي العبد فيما أعطاه فإن رضي بما قسم الله له بورك له فيه ووسعه» صحيح الجامع١/ ١٨٦٩.
١٩ - علامة لحب الله تعالى للعبد قال - ﷺ - «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم» صحيح الجامع١/ ٢١١٠. وقال - ﷺ - «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» السلسلة الصحيحة:١/ ٢٢٥.
٢٠ - عظم الأجر للصابر قال - ﷺ - «يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض» صحيح الجامع٢/ ٨١٧٧. قال تعالى ﴿إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير﴾ هود: ١١.
٢١ - انتظار الخير من الله؛ قال - ﷺ - «لو تعلمون ما ادخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم» صحيح الجامع٢/ ٥٢٦١.
٢٢ - يدل على إرادة الله تعالى الخير لعبده، قال - ﷺ - «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة» صحيح الجامع١/ ٣٠٨.
٢٣ - نيل رضى الله تعالى قال - ﷺ - «إن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضى» صحيح الجامع١/ ٢١١٠.
٢٤ - العاقبة المحمودة في الدنيا والآخرة قال تعالى ﴿فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾ هود: ٤٩.
٢٥ - الصابر يجري أجره مادام صابرا محتسبا؛ قال - ﷺ - «إذا اشتكى العبد المسلم قال الله تعالى للذين يكتبون – أي الملائكة – اكتبوا له أفضل ما كان يعمل إذا كان طلقا حتى أطْلِقه» صحيح الجامع١/ ٣٤٣.
* النية الثالثة: لعدم الوقوع في الوعيد المترتب على الجزع وعدم الرضى ..
١ - يوجب سخط الله تعالى قال - ﷺ - «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ومن سخط فله السخط» صحيح الجامع١/ ٢١١٠.
٢ - يمحق البركة؛ قال - ﷺ - « وإن لم يرض لم يبارك له، ولم يزد على ما كتب له» صحيح الجامع١/ ١٨٦٩.
٣ - سبب للهلاك، لأن الجزع معناه عدم الرضى بحكم الله تعالى وبأقداره.
**
[ ٥٧ ]