لقد امتن الله على عباده بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومن هذه النعم نعمة اللباس، فجعل لهم لباسا يواري سوءاتهم ويجمّل هيئاتهم، ويقيهم من البرد والحر ويقيهم بأسهم قال تعالى ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون﴾ الأعراف٢٦.
فالله سبحانه امتن عليهم باللباس والريش، واللباس المراد به: ستر العورات وهي السوءات، والريش: ما يتجمل به ظاهرا، فاللباس من الضروريات والريش من الكماليات، ثم نبه سبحانه إلى خير لباس وهو لباس التقوى وهو التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، ولباس التقوى هو الغاية والمقصود ولباس الثياب معونة عليه ثم ختم الله سبحانه الآية بقوله تعالى: ﴿ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون﴾ أي ذلك المذكور لكم من لباس مما تتذكرون به نعمة الله عليكم فتشكرونه وتتذكرون بحاجتكم إلى اللباس الظاهر ما هو أعظم منه من فوائد اللباس الباطن وهو التقوى.
فاللباس من نعم الله تعالى التي يجب أن نشكره عليها ونثني عليه بها وإن من شكرها التقيد بأحكامها ألا وهي:
١ - أن لا يشبه ملابس الكفار قال - ﷺ -: «من تشبه بقوم فهو منهم» صحيح الجامع٢/ ٦١٤٩.
٢ - ألا يتشبه الرجل بالمرأة ولا المرأة بالرجل قال - ﷺ - «لعن الله الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل» صحيح الجامع٢/ ٥٠٩٥.
٣ - عدم الإسراف والتبذير قال - ﷺ - «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيله» صحيح الجامع٢/ ٤٥٠٥.
٤ - عدم التكبر قال - ﷺ - «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» رواه مسلم:٩١
[ ١٧ ]
٥ - أن لا يزيد اللباس عن حد الكعبين للرجل وعن الذراع أسفل القدمين للمرأة، قال - ﷺ - «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار» البخاري:١٠/ ٢١٨، وقال - ﷺ -: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» صحيح أبو داود للألباني:٢/ ٣٤٤٣، وعن أم سلمة زوجة النبي - ﷺ - أنها قالت لرسول الله - ﷺ - حين ذكر الإزار فالمرأة يا رسول الله؟ قال: "ترخي شبرا "، قالت أم سلمة: إذن ينكشف عنها. قال: " فذراعا لا تزيد عليه" صحيح أبو داود للألباني:٢/ ٣٤٦٧
وهذه تسع نوايا أقدمها لتؤجر بإذن الله في جميع لباسك:
١ - لستر العورة قال - ﷺ - «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة» رواه مسلم:٣٣٨
٢ - للتجمل، قال - ﷺ - «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنه، قال: «إن الله جميل يحب الجمال» مسلم:٩١
٣ - تحدثا بنعمة الله تعالى. قال تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ الضحى ١١. وقال - ﷺ - «إذا آتاك الله مالا، فليُر عليك، فإن الله يحب أن يرى أثره على عبده حسنا ولا يحب البؤس ولا التباؤس» صحيح الجامع١/ ٢٥٥.
٤ - للتزين لله ﷾، قال تعالى ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ الأعراف٣١. وقال - ﷺ - «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله تعالى أحق من تزين له» صحيح الجامع١/ ٦٥٢.
٥ - للتدفئة أو الوقاية من الحر والحرب، قال تعالى: ﴿وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم﴾ النحل٨١. والسرابيل: القُمص. والبأس: الحرب.
إن عدم التدفئة من البرد أو الوقاية من الحر تضر الإنسان، ولا ينبغي للمسلم أن يضر نفسه أو يوقعها في المهالك، كما أن في التدفئة والوقاية، إعانة على عبادة الله تعالى.
٦ - لحث النبي - ﷺ - عليها، فقد قال لعمر بن الخطاب ﵁ «إلبس جديدا وعش حميدا، ومت شهيدا» صحيح الجامع١/ ١٢٣٤. وقال - ﷺ - «ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة، سوى ثوبي مهنته» صحيح الجامع٢/ ٥٦٣٥. وقال - ﷺ - «عليكم بثياب البياض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم» صحيح الجامع٢٤٠٧٤.
٧ - لإكرام الناس وجذب قلوب الآخرين، وتحسين صورة المسلمين، وهذا أمر مهم لدعوتهم ففي حديث ابن عمر ﵄ قال: (أخذ عمر جُبَّة من استبرق تباع في السوق فأخذها فأتى بها رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود» البخاري:٩٤٨
٨ - للإقتداء بالنبي - ﷺ -، وهذه بعض الألبسه والألوان التي كان النبي - ﷺ - يحبها ويرتديها فالإقتداء به يوجب الحسنات.
- «كان أحب الألوان إليه الخضرة» صحيح الجامع٢/ ٤٦٢٣.
- «كان أحب الثياب إليه القميص» صحيح الجامع٢/ ٤٦٢٥.
- قال - ﷺ - «إلبسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم» صحيح الجامع١/ ١٢٣٦.
- «كان له ملحفة مصبوغة بالورس والزعفران، يدور بها على نسائه، فإذا كانت ليلة هذه رشتها بالماء، وإذا كانت ليلة هذه رشتها بالماء» صحيح الجامع٢/ ٤٨٣٥.
- قال - ﷺ - «إلبسوا البياض، فإنها أطهر وأطيب» صحيح الجامع/١١٢٣٥
- عن جابر رضي اله عنه أن الرسول - ﷺ - «دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء» رواه مسلم١٣٥٧
[ ١٨ ]
- عن أبي رمثة رفاعة التميمي ﵁ قال: «انطلقت مع أبي نحو النبي - ﷺ - فرأيت عليه بردين أخضرين» صحيح أبو داود للألباني:٢/ ٣٤٣٠
- عن البراء بن عازب ﵁، قال: «ولقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئا قط أحسن منه» البخاري:١٠/ ٢٥٨،مسلم:٢٣٣٧، والحلة: ثوب له ظهار وبطانة من جنس واحد.
٩ - تكثير الحسنات بالتأدب بآداب اللباس وإحياء سنة الرسول - ﷺ -، ومن الآداب:
- «كان - ﷺ - يعجبه التيمن - أي استعمال اليمين - في شأنه كله» البخاري:١/ ٢٣٥،مسلم:٢٦٨
- كان - ﷺ - إذا استجد ثوبا سماه بإسمه قميصا أو عمامة أو رداء، ثم يقول: «اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره، وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له» صحيح الجامع٢/ ٤٦٦٤.
**