ومن الصور العجيبة لتودد الله ﷿ لعباده وحبه لهم وحرصه على مصلحتهم وعلى دخولهم الجنة، تلك المنح والهدايا التي يرسلها لهم كل فترة لتكون لهم بمثابة الأمل والحافز لتعويض ما فات والتشمير للحاق بركب المؤمنين السائرين إليه، وإلى جناته.
ومن هذه المنح والهدايا: يوم عرفة، فمن صامه غُفر له ذنوب عامين، ومن استطاع أن يكون في أرض عرفة في هذا اليوم غُفرت كل ذنوبه وأصبح كما ولدته أمه بلا ذنوب وخطايا.
ومن هذه المنح الإلهية: يوم عاشوراء فمن صامه غُفرت له ذنوب عام كامل ..
[ ٢٧ ]
أما أجّل المنح والهدايا الإلهية للعباد فتتمثل في شهر رمضان، حيث يتجلى فيه حب الله العجيب لعباده وحرصه على عودتهم إليه، واصطلاحهم معه، على الرغم مما أحدثوه من تفريط في جنبه، وتضييع لأوامره سبحانه، فكل فريضة يؤديها العبد في هذا الشهر كسبعين فريضة فيما سواه .. من صام نهاره وقام ليله غفرت ذنوبه ..
في كل ليلة من لياليه عتقاء يعتقهم الله من النار.
ومع كل ما تقدم فإن الكرم والجود الإلهي لا يتوقف عند هذا فقط، بل يتجلى بصورة عجيبة في ليلة القدر، وهى ليلة - كما نعلم - من ليإلى العشر الأواخر من رمضان .. في هذه الليلة يمنح الله ﷿ من يحييها بالعبادة عطية لا يمكن تصديقها، ألا وهي ثواب يكافئ ثواب من عبد الله ألف شهر بل يزيد ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر٣:٢].
فماذا تقول بعد ذلك لإلهنا الرحيم الودود الجواد الكريم؟
وماذا ينبغي أن نفعله تجاه هذه المنحة والعطية والفرصة العظيمة للعفو ونيل الرضا والعتق من النار؟!
هل نتركها تمر دون أن نغتنمها ونعود من خلالها إلى الله؟!
أي شخص هذا الذي يظلم نفسه ويحرمها من هذه الفرصة العظيمة!!
من هنا يتضح لنا معنى حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم: «رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له ..» (١).
فمن لم يعمل في رمضان فمتى سيعمل، ومن لم يغفر له في رمضان في ظل أجواء العفو والمغفرة والمنح الإلهية فمتى إذن سيغفر له؟!