يقول ابن رجب: جعل الله ﷾ لبعض الشهور فضلًا على بعض، كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيرًا من ألف شهر .. وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا ولله تعالى وظيفة من وظائف طاعاته يُتقرب بها إليه، ولله فيها لطيفه من نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته، فالسعيد من أغتنم مواسم الشهور والساعات وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات يسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من لفحات .. يقول ﷺ «إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبدا» (١).
هذه النفحات بلا شك ستصيب من يتعرض لها أما الغافل عنها فأحسن الله عزاءه.
فعلى مستوى اليوم هناك ثلاثة أوقات يسميها العلماء بأوقات السير إلى الله بالطاعات وهي آخر الليل وأول النهار وآخره قال ﷺ: «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (٢)، وقد وردت من النصوص الكثيرة في أذكار الصباح والمساء وفى فضل من ذكر الله حين يصبح وحين يمسى، وكان السلف لأخر النهار أشد تعظيما من أوله (٣).
يقول الإمام حسن البنا: أيها الأخ العزيز أمامك كل يوم لحظة بالغداة ولحظة بالعشي ولحظة بالسحر تستطيع أن تسمو فيها كلها بروحك الطهور إلى الملأ الأعلى، فتظفر بخيري الدنيا والآخرة .. وأمامك مواسم الطاعات وأيام العبادات وليالي القربات التي وجهك إليها كتابك الكريم ورسولك العظيم ﷺ، فاحرص أن تكون فيها من الذاكرين لا من الغافلين، ومن العاملين لا من الخاملين .. واغتنم الوقت فالوقت كالسيف، ودع التسويف فلا أضر منه.
- أما بالنسبة للأسبوع فليوم الجمعة شرف عظيم وفيه ساعة يجاب فيها الدعاء فلنحرص على التعرض لها، يقول النووي: ويستحب الإكثار من الدعاء في جميع يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس رجاء مصادفة ساعة الإجابة (٤).
فعلينا بالاجتهاد في هذا اليوم المبارك ولنضع له برنامجًا خاصًّا، ولنبكر فيه الذهاب إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة على أحسن هيئة.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٣٣، رقم ٥١٩)، وأخرجه أيضًا: في الأوسط (٣/ ١٨٠، رقم ٢٨٥٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم ١٩١٧.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٢٣، رقم ٣٩)
(٣) لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي.
(٤) الأذكار للنووي ص ١٢٩.
[ ١٨ ]
وإن كان شهر رمضان له أفضلية خاصة عن بقية الشهور فإن ليلة القدر لها شرف عظيم، يقول ﷺ «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (١) والتماس ليلة القدر إنما يكون في العشر الأواخر من رمضان، لذلك يستحب الاجتهاد فيها فلقد كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله.
ومن هذه المواسم أيضا: موسم العمرة فهي في رمضان تعدل حجه، فلنحرص علي القيام بها ..
وليعمل كل منا على أن ينظم أموره بالطريقة التي تعينه على الاستفادة من هذه الأوقات الفاضلة، فإن فاته وقت منها لم يترك الاجتهاد في البقية الأخرى.