فإن قلت: ولكن ماذا أفعل وفي رمضان تزداد الأعمال الخدمية والاجتماعية مما يؤثر بالسلب على إتقان العبادة؟
إن الحركة وسط الناس مطلوبة لتوجيههم ودعوتهم إلى الله، ومساعدتهم، وإسداء الخير لهم، ولكي يستفيد المسلم من هذه الحركة لابد وأن تنطلق من إيمان حي، ونفس مزكاة، فإن لم يحدث هذا كانت النتيجة سلبية كما قال ﷺ: «مثل الذي يعلم الناس الخير، وينسى نفسه، مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها» (٢).
ويقول الرافعي: إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظم الحياة لمن حولك وتترك الفوضى في قلبك ..
وشهر رمضان فرصة عظيمة لشحن القلب بالإيمان، وترويض النفس وتزكيتها، فإن ضاعت من المسلم هذه الفرصة فأي حال سيكون عليه قلبه وإيمانه؟
فمن لم يحيي قلبه في رمضان فمتى يحييه؟ ومن لم يتزود بالإيمان في رمضان فمتى يتزود؟
_________________
(١) حديث ضعيف: أورده ابن الأثير في جامع الأصول (٥/ ٦٤٨)، وضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (١١/ ٥٢ برقم ٥٠٥٠).
(٢) أخرجه الطبراني، وقال الشيخ الألباني ﵀ في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح لغيره.
[ ٩ ]
وليس معنى هذا هو الاعتكاف التام عن الناس طيلة الشهر، ولكن المقصد هو تخفيف الجرعة، وهذا يستدعي منا إنهاء ما يمكن إنهاؤه من واجبات اجتماعية وخدمية قبل قدوم رمضان أو بعد رحيله، والإقلال قدر المستطاع من الزيارات العائلية، والإفطارات المجمعة، وكيف لا وشهر رمضان (أيامًا معدودات) سرعان ما تنقضي.
لقد كان ﷺ يعتكف في كل عام العشر الأواخر من رمضان، وفي العام الذي تُوفي فيه اعتكف عشرين يومًا .. أي ثلثي الشهر، فماذا نقول بعد ذلك وأي حجة سنسوقها كي نبرر لأنفسنا عدم التركيز في العبادة وتحصيل الزاد من خلال منظومة العبادات في شهر رمضان؟!
ولئن كانت الظروف المحيطة ببعض الأفراد تستدعي منهم كثرة الحركة وبذل الجهد مع الآخرين في هذا الشهر؛ فإن التخطيط الجيد لتنفيذ الأعمال الدعوية والاجتماعية، والمساعدات الخيرية، والحرص الشديد على الوقت وتنظيمه يساعد بإذن الله على تحقيق ذلك دون الإخلال ببرنامج الاستفادة الحقيقية من رمضان، وبهذا نجمع الخيرين.