وليس معنى القول بأن القرآن هو المخرج التقليل من شأن السنة النبوية، بل العكس فالقرب الحقيقي من القرآن سيزيدنا حبًا للسنة، ويعيننا على العمل بما تدل عليه.
فالسنة تشرح القرآن وتبين ما أُجمل فيه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
وليس أدل على أهمية التمسك بالسنة مع القرآن من قوله ﷺ: «تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما: كتاب الله، وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علىَّ الحوض» (٥).
مع الأخذ في الاعتبار أن القرآن ينفرد بإعجازه ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
فالقرآن الكريم أعظم معجزة نزلت من السماء، والسر الأعظم لإعجازه يكمن في قوة تأثيره على القلوب، فإن كانت المعجزات السابقة حِسِّية تُشاهَد بالأبصار، فإن معجزة القرآن تشاهد بالبصائر، ويشعر بها كل من يتعرض لها ..
نعم .. هناك أوجه إعجاز متعددة للقرآن (الإعجاز البياني والإعجاز التشريعي والإعجاز الغيبي والعلمي) إلا أن سر إعجازه الأعظم - كما يقول الإمام الخطابي - هو: صنيعه بالقلوب، وتأثيره في النفوس.
فإنك لا تسمع كلاما - غير القرآن - منظومًا أو منثورًا إذا قرع السمع خلص منه إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه.
ويستطرد الخطابي قائلًا:
تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها من الوجيب والقلق، وتَغَشَّاها من الخوف والفَرَق ما تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب .. يحول بين النفس وبين مُضمراتها وعقائدها الراسخة فيها.
فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفُتَّاكها، أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيمانًا (٦) ..
_________________
(١) رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤).
(٢) مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي ص ١٧٤.
(٣) فهم القرآن للحارث المحاسبي ص ٢٨٩.
(٤) لمحات الأنوار للغافقي ١/ ٣٦، ٣٧.
(٥) صحيح، رواه الحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (٢٩٣٧).
(٦) التعبير القرآني والدلالة النفسية ص ١٠٨، ١٠٩ نقلا عن البيان في إعجاز القرآن للخطابي ص٦٤.
[ ١٠ ]
إن تأثير القرآن على القلوب لا يوجد له نظير، ومن ثمَّ فإن من يُحسن التعرض له سيكون من أكثر الناس حبا للسُّنة، وحرصا على تطبيقها، وكيف لا والطاقة المتولدة من استمرار التأثر بآيات القرآن ستدفعه لتطبيق كل ما يستطيع تطبيقه مما يُحبه الله ورسوله.
إننا نؤكد مرة أخرى على منزلة السُّنة وأنها المصدر الثاني للتشريع بل إن حبنا الشديد للسنة يدفعنا إلى القول بأهمية العودة الصحيحة للقرآن، ولم لا والكثير منا يشكو من عدم قدرته على تطبيق ما يدله عليه القرآن والسنة لضعف الإيمان وغلبة الهوى.
لذلك لا يخطئ من يقول بأن حُسن التعرض للقرآن، والاغتراف من منابع الإيمان فيه من شأنه أن يجعلنا نقترب أكثر وأكثر من السنة، ويزيدنا حرصا على التمسك بها.