أخي: الكثير منا يدعي أنه يريد تَفهُّم القرآن، والتأثر به، والاغتراف من منابع إيمانه، وشفاء أمراض قلبه من خلاله.
ولكن كما نعلم: فالبيَّنة على من ادعى ..
فما هي بينتك في هذا الادعاء؟!
إن أعظم بينة هي الإلحاح على الله بأن يفتح لنا أبواب رحمته، ليحدث الوصال بين القلب والقرآن.
أو بعبارة أخرى:
علينا أن نكون صادقين مع الله حينما نقدم له طلب الانتفاع بالقرآن، وأهم مظهر لذلك هو أن ندعوه - سبحانه - دعاء المضطر الذي يخرج دعاؤه من أعماق أعماق قلبه، كالذي تتقاذفه الأمواج في البحر، فأخذ يصارع الغرق، وليس لديه شيء يتعلق به إلا أمله في الله بأن يستجيب تضرعه، وينقذه من الموت.
واعلم - أخي - أن مفتاح الإجابة هو التضرع والحرقة واستشعار الاحتياج الماسّ لله ﷿.
يقول ابن رجب: وعلى قدر الحرقة والفاقة تكون إجابة الدعاء (٢).
وتذكر - أخي- قوله ﷺ: «إن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» (٣).
وعلينا ألا نكتفي بالدعاء والاستغاثة مرة أو مرتين، بل لا بد من الإلحاح والإلحاح على الله بدعاء المضطر مرات ومرات حتى ينفتح الباب.
فالله ﷿ يسمع دعاءنا، ويقدر على إجابته - وإجابة جميع الخلائق - من أول مرة، ولكنه يريد أن يرى منا الصدق في الطلب، وأننا جادون فيما ندَّعى، لذلك فهو قد يؤخر الإجابة اختبارًا لنا، فإن تركنا الباب، وأوقفنا التضرع والدعاء كان ذلك علامة وبيَّنة على عدم صدقنا في أننا بحاجة ماسة لإجابة ما نطلبه من الله، وأن الأمر لا يعدو أن يكون ردة فعل لحالٍ طارئة عشنا معها، وتأثرنا بها تأثرًا لحظيًا، لذلك يقول ﷺ: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي» (٤).
ولنعلم جميعًا بأننا لو وصلنا لحالة الاضطرار والحرقة عند الدعاء مرات ومرات، فإن الباب - يقينًا - سيُفتح، والشيطان سيخنس، وشمس القرآن ستشرق في قلوبنا بنور ربها.
ومن أهم أوقات الإلحاح على الله ودعائه دعاء المضطر، هو ذلك الوقت الذي يسبق قراءة القرآن، فالإلحاح الحارّ في هذا الوقت من شأنه أن يهيئ القلب لاستقبال القرآن استقبالًا صحيحًا: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ - فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٣، ١٤].
ومنها كذلك تلك الأوقات التي تستغلق فيها أبواب فهم الآيات علينا.
_________________
(١) فهم القرآن للحارث المحاسبي ص ٣٢٤.
(٢) الذل والانكسار لابن رجب.
(٣) رواه الإمام أحمد والترمذي.
(٤) متفق عليه.
[ ١٨ ]
يذكر الحافظ ابن كثير - ﵀ - في سياق هجرة عمر بن الخطاب مع عياش ابن ربيعة، وهشام بن العاص - ﵃ - (ولقد حبس الكفار هشامًا عن الهجرة، واستطاع أبو جهل أن يرد عياشًا إلى مكة بعد حيلة ماكرة وخطة غادرة ..) وقد كان شائعًا بين المسلمين أن الله لا يقبل ممن افتتن توبة، وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأنزل الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ - وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥].
قال عمر: وكتبتها وبعثت بها إلى هشام بن العاص.
قال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذى طوى أصعد بها وأصوب، ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فهمنيها، فألقى الله في قلبي أنها إنما أُنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا.
قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة (١).