علينا حين نقبل على القرآن أن نطرق بابه بأدب التلميذ الذي يريد أن يتعلم من أستاذه العظيم، فينصت له، ولا يحاول أن يجادله بما لديه من تصورات وأفكار مُسبقة، بل يستسلم له استسلام النهم للمعرفة والشفاء.
وفي هذا المعنى يقول أبو الأعلى المودودي:
_________________
(١) هجر القرآن لمحمد فتحي ص ١٥٦، ١٥٧، نقلا عن البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٣٦، ١٣٧).
[ ١٩ ]
يجب - كخطوة أولى - على كل من يريد فهم القرآن، أن يخلى ذهنه ما أمكن من جميع ما استقر فيه من قبل من التصورات والنظريات .. ثم يكب على دراسته بقلب مفتوح وأُذن واعية وقصد نزيه لفهمه.
أما الذين يدرسونه واضعين طائفة من التصورات في أذهانهم مقدما، فما يقرؤون بين دفتيه إلا تصوراتهم أنفسهم، ولا يجدون شيئًا من رائحة القرآن. ولا يصلح هذا المنهج لدراسة أي كتاب من الكتب، فكيف بالقرآن الذي لا يفتح كنوز معانيه أبدا للذين يدرسونه باتباع مثل هذا المنهج (١).
ويقول عبد الكريم الخطيب: فالقرآن الكريم، لا يُقبل إلا على من يُقبل عليه، ولا يمنح خيره وبركته إلا لمن يعرف قدره، ويطرق بابه في أدب وولاء وخشوع (٢).
ويؤكد سيد قطب على هذا المعنى، ويعتبره من أهم العوامل التي جعلت الصحابة ينتفعون بالقرآن، ويرتفعون به إلى السماء .. يقول ﵀:
وقد نجح الصحابة في التعامل مع القرآن، والتفاعل به، لأنهم كانوا حريصين على ألا يستقوا إلا من نبعه الرباني الصافي، ولأن الرجل منهم كان يخلع على عتبة القرآن كل ماضيه، ويدخل عالم القرآن بدون مقررات مسبقة، لتتم صياغته صياغة قرآنية فريدة، ولأنهم تلقوه للتنفيذ والعمل لا للثقافة والمتاع، أو التذوق والاطلاع (٣).