ومما يلفت الانتباه أن رسولنا ﷺ قد اشتكانا لله ﷿ بخصوص هذا الوضع الشاذ الذي نفعله مع القرآن: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
ولو تأملنا هذه الشكوى لوجدنا أمرًا عجيبًا: فلو كانت الآية لم تتضمن كلمة «اتخذوا» أي كانت بمعنى: يا رب إن قومي هجروا القرآن لكان المراد بها أناسًا أبعدوا القرآن تمامًا عن حياتهم، فلا تجد فيها أي مساحة لقراءته أو سماعه أو إذاعته أو العمل به.
لكن وجود كلمة «اتخذوا» مع كلمة «مهجورا» أعطت لمفهوم الهجر بُعدًا آخر، ودلت على أن الشكوى تخص أناسًا تعاملوا مع القرآن، وبذلوا فيه مجهودا، إلا أنهم في نفس الوقت - رغم هذا المجهود - قد هجروا القرآن، وذلك حين ابتعدوا عن أهم جانب فيه ألا وهو تأثيره المتفرد على القلوب وتبديل ما بها من ظلمات الهوى إلى نور الإيمان، فلم يشفع لهم اهتمامهم بلفظه وحروفه في الخروج من دائرة شكوى الرسول ﷺ بهجر القرآن.
فحين اكتفينا بالتعامل مع القرآن بالألسنة والحناجر، ولم نجتهد في الوصول به إلى العقول والقلوب فإننا بذلك قد حرمنا أنفسنا من أهم جانب فيه، ومن سر إعجازه الأعظم .. فكانت المحصلة أننا اتخذنا القرآن مهجورا؛ لينتج عن ذلك الهجر هبوطنا لهذا الدرك، ليصدق فينا قول رسول الله ﷺ: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين» (١).
يقول ابن باديس في تفسيره لقوله تعالى ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
في شكوى النبي ﷺ من هجر القرآن دليل على أن ذلك من أصعب الأمور عليه، وأبغضها لديه، وفي حكاية القرآن لهذه الشكوى وعيد كبير للهاجرين، بإنزال العقاب بهم، إجابة لشكوى نبيهم (٢).