وليس المقصد كذلك من كثرة كلامنا عن القرآن التقليل من شأن بقية الأعمال الصالحة الأخرى، فكل طاعة، وكل عمل صالح له وظيفة في تشييد بنيان الإيمان في قلب المسلم، ولكن المقصد هو وضع القرآن في حجمه الصحيح بالنسبة لتلك الأعمال.
فكما أن للحج أعمالًا كثيرة كالسعي والطواف ورمي الجمار، إلا أن أهم أعمال الحج هو الوقوف بعرفة، فبه يتحقق أهم مقصود للحج من إظهار الذل والانكسار والتَبَؤُّس والافتقار لله ﷿، لذلك قال ﷺ: «الحج عرفة» (١).
وكما أن للتوبة أعمالًا كثيرة كالإقلاع عن الذنب، ورد المظالم، والاستغفار، إلا أن أهم عمل للتوبة هو الندم، وبدونه لن تتحقق التوبة .. قال ﷺ: «الندم توبة» (٢).
كذلك القرآن بالنسبة للإيمان، فكما أن كل طاعة، وكل عمل صالح من شأنه أن يزيد الإيمان كالصيام والصدقة وغيرهما إلا أن القرآن يُمثل العمود الفقري للإيمان، وبدونه لا يمكن للقلب أن يستعيد عافيته، وتُبث الروح في جنباته ..
إنه كالماء فيه حياة لكل من شرب منه.
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم:
وكل من القلب والبدن محتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح .. وكما أن البدن محتاج أن يرقى بالأغذية المصلحة له، والحمية عما يضره، فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه ومنعه مما يضره، فكذلك القلب: لا يزكو، ولا ينمو، ولا يتم صلاحه إلا بذلك ..
ولا سبيل له إلى الوصول لذلك إلا من القرآن، وإن وصل إلى شيء منه من غيره .. فهو شيء يسير لا يحصل له به تمام المقصود (٣) ..
ويؤكد هذا المعنى قول الأعمش: كان ابن مسعود يُقلُّ الصوم، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن إنك تُقِلُّ الصوم، فقال: أما إنه عمل صالح، ولكني أختار عليه قراءة القرآن، إذا صمت ضعفت عن قراءة القرآن فلم أقرأ (٤) ..
والجدير بالذكر أن عبد الله بن مسعود - ﵁ - كان ضعيف البنية، لذلك كان يجد مشقة في الجمع بين قراءة القرآن والصيام التطوعي، ومما لا شك فيه أن الجمع بين الأمرين فيه خير كبير.
ولكن لأن القرآن هو المنبع العظيم للإيمان، وهو الذي يبث الروح في بقية الأعمال الصالحة، لذلك كان من الأهمية بمكان أن يُعطى الأولوية.
من هنا ندرك مغزى قول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁:
لو بات رجل ينفق دينارًا دينارًا، ودرهمًا درهمًا، ويحملُ على الجياد في سبيل الله، حتى يصبح مُتَقبَّلًا منه، وبتُّ أتلو كتاب الله حتى أصبح مُتَقَبَّلا مني لم أحب أن لي عمله بعملي (٥).
_________________
(١) صحيح، رواه الإمام أحمد، والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع ص (٣١٧٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه.
(٣) إغاثة اللهفان ١/ ٧٦.
(٤) لمحات الأنوار للغافقي برقم (٣٧)، وانظر فضائل القرآن لأبي عبيد، وشعب الإيمان للبيهقي.
(٥) المصدر السابق برقم (٥٤) وانظر مصنف ابن أبي شيبة.
[ ١١ ]
وليس معنى هذا ترك الإنفاق في سبيل الله والاكتفاء بقراءة القرآن، بل المقصد هو الترتيب الصحيح للأولويات، وإعطاء القرآن المكانة الأولى فيها، وكيف لا والمكثر من تلاوة القرآن - بفهم وتأثر - سيجد نفسه وقد جمع خصال الخير كلها - بإذن الله- لأنه كلما التقى بالقرآن، تولد داخله إيمان جديد، وطاقة جديدة تدفعه لتصريفها في أوجه البر المختلفة، من إنفاق، ودعوة، وصلة للرحم، وخدمة للناس، وفوق هذا كله الشعور بالسكينة والطمأنينة والقرب من الله ﷿.
ولك- أخي القارئ- أن تعجب مثل عجبي من قول الضحاك بن مزاحم: لولا تلاوة القرآن لسرني أن أكون مريضا. فقيل له: لِمَ؟ قال: لأن المرض يرفع عني الحرج ويُكفر عني الذنوب، ويجرى لي مِثْل صالح ما كنت أعمل (١).
فهو يعلم أن أثر التلاوة لا يعدله شيء من إيمان وأمان وسكينة كما قال عبد الله بن مسعود: إن هذا القرآن مأدبة الله فمن دخل فيه فهو آمن (٢).
وعن فروة بن نوفل قال: كان خباب بن الأرت لي جارًا، فقال لي يومًا: يا هناه (يا هذا) تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لست تتقرب إلى الله ﷿ بشيء هو أحب إليه من كلامه (٣).