مشكلتنا إيمانية، وحلها غاية في السهولة وهو حُسن الإقبال على القرآن وتغيير طريقتنا في التعامل معه ..
والقرآن بين أيدينا، جاهز لتغييرنا، وإمدادنا بإيمان متدفق ليس له حدود، ومن ثم القضاء على الوهن والضعف الذي أصابنا وجعلنا معرة الأمم.
ومع ذلك الحل المُيسَّر لجميع أفراد الأمة إلا أن الكثير من أبنائها غير مصدق لهذه الحقيقة، ويرى أن هذا الكلام فيه مبالغة، وأن غاية الجهد والخدمة للقرآن هي الإكثار من الكتاتيب والمدارس والكليات لتخريج أكبر قدر من حُفَّاظ حروفه في أقل وقت ممكن، وحث الناس على كثرة قراءته والاجتهاد في ختمه مرات ومرات - خاصة في شهر رمضان - لنيل أكبر قدر من الحسنات فقط.
فإن ذكَّرتهم بأهمية التدبر والتأثر بالقرآن قال بعضهم: نريد أكبر قدر من الحسنات .. نريد دخول الجنة، والتدبر يعطلنا عن كثرة القراءة (٣).
وقال البعض الآخر: فلتكن هناك ختمة للقراءة السريعة التي تهتم بتحصيل أكبر قدر من الحسنات دون فهم أو تأثر، وختمة للفهم والتأثر، ولا بأس - على حد قولهم - من أن نمكث مع ختمة التدبر سنوات وسنوات (٤).
_________________
(١) رواه مسلم (١٨٩٤).
(٢) حسن البنا ومنهجه في تفسير القرآن لعماد عبد الكريم ص ٧٤، ٧٥ - دار التوزيع والنشر الإسلامية.
(٣) من يقرأ القرآن بلا فهم ولا تأثر نحسب أنه مأجور - بإذن الله - ولكنه - بلا شك - لن ينتفع بالقرآن في توليد الإيمان، وإحداث التغيير الذي تحتاجه الأمة الآن أكثر من أي وقت مضى.
(٤) تم - بفضل الله - مناقشة هذه الآراء بشيء من التفصيل في كتب: العودة إلى القرآن - إنه القرآن سر نهضتنا - تحقيق الوصال بين القلب والقرآن.
[ ١٣ ]
كل هذا وغيره يتردد بين الكثير من المسلمين، مما جعل أمر العودة الحقيقية إلى القرآن، والانتفاع به لحل مشكلتنا الإيمانية من الصعوبة بمكان.
ولكن حيث أنه لا بديل للأمة عن هذا الحل، فلا بد أن يستمر ويستمر التذكير بقيمة القرآن، وبالهدف الأسمى لنزوله، والذي لو اتضح أمامنا بصورة جلية، وأصبح إيمانًا مستقرًا في قلوبنا، فإنه - بلا شك - سيولد داخلنا الدافع القوي للإقبال على القرآن بصورة صحيحة لنلتمس منه الهدى والنور، أو بمعنى آخر، سيتحول اهتمامنا نحو تحقيق الهدف الذي من أجله نزل القرآن، وسنطوع الوسائل المختلفة - من قراءة وسماع وحفظ - لتحقيق هذا الهدف، فالإيمان بالقرآن والثقة الكبيرة فيه كمصدر متفرد للهداية والإيمان والتغيير هو نقطة البداية الصحيحة نحو العودة الحقيقية إليه، والانتفاع به.
فكما يقول الإمام البخاري: لا يجد طعمه إلا من آمن به (١).
ويقول مالك بن دينار: أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه (٢).
فالذي يؤمن بالقرآن لا يسعه إلا أن يتعامل معه تعاملا صحيحًا ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
هذا التعامل الصحيح لابد وأن يظهر أثره في السلوك كما قال ﷺ: «ما آمن بالقرآن من استحل محارمه» (٣).
فإن قلت: ولكننا نؤمن بالقرآن ومع ذلك لا نجد طعمه ولا تأثيره في السلوك.
ليس المقصد من الإيمان بالقرآن هو مجرد الإيمان بأنه «كلام الله، المنزل على محمد ﷺ، المتعبد بتلاوته» (٤). بل المقصد - بالإضافة لهذا-: الإيمان بقيمته وعظيم شأنه، وأنه نزل من السماء ليهدي الناس إلى الله، ويأخذ بأيديهم إليه ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨].
بهذا الإيمان تعامل الصحابة مع القرآن. يقول عبد الله بن عمر ﵁: لقد عشنا برهة من الدهر وأحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ، فيُتَعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ من بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده، وينثره نثر الدقل (٥) - وفي رواية: (وكل حرف منه ينادي: أنا رسول الله إليك لتعمل بي وتتعظ بمواعظي) (٦).
ويؤكد على هذا المعنى الصحابي جُندب بن عبد الله ﵁ بقوله:
كنا مع النبي ﷺ ونحن غلمان حَزاورة (٧) فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا (٨).
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن لابن القيم ص ٢٠٥.
(٢) الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٢٩٨.
(٣) رواه الترمذي في فضائل القرآن ح (٢٩١٨).
(٤) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص ٢١.
(٥) الدقل: ردئ التمر.
(٦) رواه الحاكم في المستدرك ١/ ٩١، وقال صحيح على شرط الشيخين.
(٧) حزاورة جمع حزير أي ممتلئ القوة.
(٨) رواه ابن ماجه والبيهقي، وانظر فضائل القرآن للمستغفري ١/ ٢٧٥.
[ ١٤ ]