إن الله ﷿ يريد الخير للناس جميعًا ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].
ومراده دخولهم جميعًا الجنة ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١]. لذلك كانت رسالاته المتتالية إليهم والتي تبشرهم بالجنة، وتخوفهم من النار، وترسم لهم طريق الهداية إليه وإلى جنته.
ولقد اصطفى - سبحانه - أمة الإسلام لكي تقوم بمهمة تبليغ رسالته الأخيرة للبشرية جمعاء.
ولأن القرآن هو رسالته الأخيرة؛ لذلك فهو سبحانه لن يستبدل الأمة الإسلامية بأمة أخرى في مهمة هداية البشرية، وإيصال رحمته للعالمين كما حدث من قبل مع بني إسرائيل حينما استبدل بهم أمة الإسلام بعد خيانتهم للأمانة.
ولقد قامت الأجيال الأولى للأمة بأداء مهمتها خير قيام، وبذلوا غاية جهدهم في تبليغ الرسالة، وإليك أخي القارئ هذه القصة التي تؤكد هذا المعنى ..
يقول الأستاذ جاسم المطوع:
في زيارة خاطفة إلى هونغ كونغ دعاني رجل الأعمال الصيني (كين) إلى بيته لتناول الشاي الصيني والعشاء، فلبيت الدعوة وذهبت إليه وجلسنا جلسة ثقافية وسياحية .. وسألت صاحبي عن سبب دخوله في الإسلام، فقال لي: لقد أعلنت دخولي في الإسلام منذ أحد عشر عاما وكذلك أسلمت زوجتي ودخل في الإسلام ولداي، وسبب دخولي في الإسلام أني كنت أقرأ في تاريخ الصين واكتشفت أن المسلمين وصلوا الصين منذ ألف وثلاثمائة عام، ففوجئت بهذه المعلومة، واعتقدت أنهم وصلوا الصين وقطعوا آلاف الأميال بسبب التجارة أو غيرها من المصالح، ولكنني صدمت أكثر عندما علمت أن حضورهم كان من أجل توصيل رسالة، فهزني هذا الموقف كثيرًا، وقلت في نفسي: يقطعون كل هذه الأميال من أجل توصيل رسالة الإسلام، لا شك أن عندهم خيرًا كبيرًا، فقرأت عن الإسلام، وانشرح صدري، فدخلت فيه والحمد لله .. (٢)
_________________
(١) البداية والنهاية ١/ ٣٧٤ - دار الفجر للتراث - القاهرة.
(٢) مجلة ولدي الكويتية العدد (١١٣) إبريل ٢٠٠٨، ربيع الآخر ١٤٢٩.
[ ٤ ]
هكذا فهمت الأجيال الأولى طبيعة وظيفتها، ثم حدث ما حدث بعد ذلك من ضعف، وتكالب على الدنيا، وصراع من أجل الرئاسة فيها، فانتكست الأمة، ومن ثم تركت وظيفتها ومهمتها الأساسية في هداية البشرية.
وكل يوم جديد يموت الكثيرون والكثيرون على الضلالة، لأنهم - من ناحية- لم يبحثوا عن الطريق الصحيح، وعن غاية وجودهم في الدنيا، ومن ناحية أخرى، فإن المكلفين بتبليغ رسالة الله إليهم لم يقوموا بذلك، وخانوا الأمانة، أو قصروا في أدائها.
من هنا ندرك بعضا من حكم الابتلاءات والعقوبات المتتالية التي أصابت الأمة؛ لأنها أولا: أهملت الرسالة، ولم تعمل بما تضمنته، ولأنها أيضًا خانت أمانة الله في إبلاغ الرسالة، والذي يشكل المحور الثاني لوجودها.