نعم .. إن العاصي اختار أوكس نصيب .. وأخسر صفقة!
فبينما أهل الطاعات يتقلبون في لذاذة الطاعات .. ترى أهل الذنوب غادين ورائحين في ظلام المعاصي!
[ ٩ ]
وبينما يقبس أهل الطاعات من أنوار الهُدى .. ترى أهل المعاصي يتخبطون في دياجير الذنوب!
قال ابن القيم: «ولا تظن أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ مختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة، وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من برِّ القلب، وسلامة الصدر، ومعرفة الرب تعالى، ومحبته، والعمل على موافقته؟ ! وهل العيش في الحقيقة إلاَّ عيش القلب السليم»؟ !
أيها المذنب! إن للطاعات لذَّة يذوقها من اعتادها .. وقد عرف الصالحون هذه اللذة .. فكانت أشهى عندهم من كل مُشْتَهَى!
عن أحمد بن أبي الحواري، قال: «سمعت أبا سليمان الداراني يقول: لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره حتى يخرج من الدنيا إلا على ما فاته من لذة طاعة الله ﷿ فيما مضى من عمره، لكان ينبغي له أن يُبْكِيَهُ ذلك حتى يخرج من الدنيا! فقلت: يا أبا سليمان، إنما يبكي على لذة ما مضى من وجد الإيمان. فقال: صدقت».
قال: «وسمعته يقول: أهل الطاعة بليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، وربما استقبلني الفرح في جوف الليل، وربما رأيت القلب يضحك ضحكًا»!
أيها المذنب! والطاعة أُنْس وسرور .. وراحة .. والذنب وَحْشَة .. وشفاء!
فهل يسرك أن تختار الوَحْشَة على الأُنس .. والنَّصب على الراحة؟ !
[ ١٠ ]
قال بعض السلف: «إن للحسنة لنورًا في القلب، وقوة في البدن، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وسوادًا في الوجه، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق»!
أيها المذنب! أهل الطاعات بطاعاتهم آنس من الوالد بولده .. ومن البخيل بماله!
لما حضرت معاذًا بن جبل - ﵁ - الوفاة؛ قال: «اخنق خنقك، فوعزتك إني أحبك، اللهم إني كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني ما كنت أحب البقاء في الدنيا لكري الأنهار، ولا غراس الأشجار، وإنما بمكابدة الساعات، وظمأ الهواجر، ومزاحمة العلماء بالرُّكَب عند حِلَق الذِّكر»!
أيها المذنب! إذا تلذَّذ أهل الطاعات ببردها .. فإنَّ للذنوب مرارات .. وغصص!
وكم من مذنب لم يشعر بتلك المرارات .. وغفلته عن ذلك أشد من الذنب! فإن العقوبات المعنوية التي تنزل على قلب المذنب شديدة الوطأة على العصاة!
قال ابن الجوزي: «وربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله؛ فظنَّ أن لا عقوبة، وغفلته عمَّا عوقب به عقوبة، وقد قال الحكماء: المعصية بعد المعصية عقاب المعصية، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة».
أيها الغافل! ذلك هو نور الطاعات الذي يفوز به الطائعون .. وتلك هي ظلمة المعصية التي يعيشها العاصون .. ويكون ذلك في الدنيا والآخرة ..
[ ١١ ]
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٢، ١٣].