هذا الشرط ينص على أن الدعوة إذا اختصت بالأغنياء لم تجب الإجابة وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك بعد سياق دليل هذا الشرط.
دليل هذا الشرط:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله.
_________________
(١) طرح التثريب (٧/ ٧٦).
(٢) ذكر هذا الشرط القرطبي في المفهم (٤/ ١٥٦) والنووي في شرح مسلم (٩/ ٢٣٤) وابن العربي في عارضة الأحوذي (٥/ ٩) والعراقي في طرح التثريب (٧/ ٧١) والطيبي في شرح المشكاة (٦/ ٢٩٥) والأبى في إكمال إكمال المعلم (٥/ ٩٤) والحافظ في الفتح (٩/ ٢٤٢) والشوكاني في النيل (٦/ ٢٠٢) والصنعاني في السبل (٣/ ٢٧٣) وصاحب عون المعبود (١٠/ ٢٠٣).
[ ١٠١ ]
أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن ماجة (٥)، والطحاوي (٦)، وابن عدي (٧) من طرق عن أبي هريرة به موقوفًا وفي بعض طرقه مرفوعًا كما عند مسلم لكن الأكثر على وقفه، وتقدم هذا الحديث (٨).
٢ - حديث ابن عمر ﵄ كما ذكره الحافظ من رواية أبي الشيخ كما تقدم، وأخرجه ابن عدي (٩) من طريق سلام بن سليم عن إبراهيم الصائغ عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الغني ويترك الفقير ومن دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله».
_________________
(١) في صحيحه (٥/ ١٩٨٥ رقم ٤٨٨٢) كتاب النكاح، باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله.
(٢) في صحيحه (٢/ ١٠٥٤ رقم ١٤٣٢) كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوته.
(٣) في سننه (٤/ ١٢٥ رقم ٣٧٤٢) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في إجابة الدعوة.
(٤) في الكبرى (٤/ ١٤١ رقم ٦٦١٢، ٦٦١٣) كتاب الوليمة، باب طعام العرس.
(٥) في سننه (١/ ٦١٦ رقم ١٩١٣) كتاب النكاح، باب إجابة الداعي.
(٦) في شرح مشكل الآثار (٨/ ١٨ رقم ٣٠١٦) باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - في الطعام الذي يجب على من دعى عليه إتيانه.
(٧) في الكامل (٧/ ٢٦٧٨) وعنده من طريق يحيى بن عثمان أبي سهل سمع يحيى بن عبد الله بن أبي مليكة عن أبيه - كناه يزيد بن هارون - سمع إسماعيل بن أمية عن مجاهد عن أبي هريرة «من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله، وأنت بالخيار في العرس والعذار». لكن يحيى بن عثمان ضعيف. التقريب (٥٩٤). وأعله ابن الملقن بيحيى هذا. البدر المنير حديث رقم (٥) من باب الوليمة والنثر.
(٨) ص: (١٢).
(٩) في الكامل (٣/ ١١٤٨).
[ ١٠٢ ]
وتقدم الكلام عليه (١).
٣ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الشبعان، ويحبس عنه الجائع».
أخرجه الطبراني في الكبير (٢) والأوسط (٣)، والبزار (٤)، وتقدم الكلام عليه (٥).
غالب من ذكر الشروط في هذا الباب يذكر هذا الشرط منها، وأنه مسقط لوجوب الإجابة وقد حكى القرطبي (٦) كراهية العلماء اختصاص الدعوة بالأغنياء.
وقال: ولا يفهم من هذا القول أعني: الحديث تحريم ذلك الفعل لأنه لا يقول أحد بتحريم إجابة الدعاء للوليمة فيما علمته (٧).
ثم إنه لما حكى الكراهية لهذا الفعل حكى الخلاف فيمن فعل ذلك هل تجاب دعوته أم لا؟ فقال ابن مسعود: لا تجاب ونحوه يحيى بن حبيب من أصحابنا،
_________________
(١) ص: (١٢).
(٢) (١٢/ ١٥٩ رقم ١٢٧٥٤).
(٣) مجمع البحرين (٣/ ٣٢٨ رقم ١٩٠٣) كتاب الوليمة والعقيقة، باب في الطعام يدعى إليه الشبعان ويحبس عنه الجيعان. لكن عنده «بئس» بدل «شر».
(٤) كشف الأستار (٢/ ٧٥ رقم ١٢٤٠) أبواب الصيد، باب الوليمة.
(٥) ص: (! ٣).
(٦) المفهم (٤/ ١٥٦).
(٧) المفهم (٤/ ١٥٥) عند الكلام على شرح حديث أبي هريرة «شر الطعام طعام وليمة العرس» وقال في معنى الحديث: وقد تبين في سياق الحديث أن الجهة التي يكون فيها طعام الوليمة شر الطعام إنما هي ترك الأولى وذلك: أن الفقير هو المحتاج للطعام الذي إن دعي سارع وبادر ومع ذلك فلا يدعى، والغني غير محتاج ولذلك قد لا يجيب أو تثقل عليه الإجابة ومع ذلك فهو يدعى، فكان العكس أولى: وهو أن يدعى الفقير ويترك الغني ولا يفهم من هذا القول أعني: الحديث تحريم ذلك الفعل؛ لأنه لا يقول أحد بتحريم إجابة الدعاء للوليمة فيما علمته. وإنما هذا مثل شر صفوف الرجال آخرها وخيرها أولها وشر صفوف النساء أولها وخيرها آخرها. فإنه لم يقل أحد: إن صلاة الرجل في آخر صف حرام ولا صلاة النساء في أول صف حرام، وإنما ذلك من باب ترك الأولى، كما قد يقال عليه مكروه وإن لم يكن مطلوب الترك على ما يعرف في الأصول، فإن الشر المذكور هنا قلة الثواب والأجر والخير كثرة الثواب والأجر؛ ولذلك كره العلماء اختصاص الأغنياء بالدعوة. ا. هـ.
[ ١٠٣ ]
وظاهر كلام أبي هريرة وجوب الإجابة (١) ودعا ابن عمر في وليمة الأغنياء والفقراء، فأجلس الفقراء على حدة وقال: هاهنا لا تفسدوا عليهم ثيابهم، فإنا سنطعمكم مما يأكلون.
وقال الحافظ: أنها تكون شر الطعام إذا كانت بهذه الصفة ولهذا قال ابن مسعود: إذا خص الغني وترك الفقير أمرنا أن لا نجيب (٢).
وقال ابن بطال: إذا ميز الداعي بين الأغنياء والفقراء فأطعم كلا على حدة لم يكن به بأس، وقد فعله ابن عمر (٣).
وفي اشتراط هذا الشرط نظر لأن النبي - ﷺ - سمى الوليمة التي هذه حالها شر الطعام ثم حكم على من لم يجب بالعصيان، فلو كان ذلك مسقطًا للوجوب ما حكم - ﷺ - على المدعو إذا لم يجب بالعصيان والله أعلم.