فإذا كان الداعي أكثر ماله من الحرام لم تجب إجابته أما حكم حضور الدعوة والأكل فالمسألة لا تخلو من حالتين هما:
الحالة الأولى: أن يعلم أن عين الطعام المقدم في الدعوة محرم ككونه مسروقًا أو مغصوبًا ففي هذه الحالة تحرم الإجابة والأكل، وقد نص على تحريم الأكل في هذه الحالة غير واحد من أهل العلم منهم مكحول والزهري والفضيل
_________________
(١) هذه الوجوه في منع ما يؤدي إلى الحرام.
(٢) إعلام الموقعين (٣/ ١٥٧).
(٣) هذا الشرط ذكره العراقي في طرح التثريب (٧/ ٧٥) وأشار إليه شيخ الإسلام في الفتاوى (٣٢/ ٢١٥) وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٩٩، ٢٠٠) وابن مفلح في الآداب الشرعية (١/ ٤٤١).
[ ١٢٦ ]
بن عياض وشيخ الإسلام ابن تيمية والعراقي وغيرهم، بل حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك (١).
الحالة الثانية: أن يكون أكثر ماله من الحرام لكن لا يعلم عين الحرام. ففي هذه الحالة اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:
القول الأول: تحريم الأكل حكاه ابن مفلح (٢) قولا في المذهب (٣)
وهو رواية عن الإمام أحمد، وقطع به ابن الجوزي وذكر الشيخ تقي الدين أنه أحد الوجهين.
_________________
(١) انظر في ذلك مصنف عبد الرزاق (٨/ ١٥٠، ١٥٢) الفتاوى (٣٢/ ٢١٥) جامع العلوم والحكم (١/ ١٩٩، ٢٠٠) الآداب الشرعية (١/ ٤٤١) طرح التثريب (٧/ ٧٥).
(٢) الآداب الشرعية (١/ ٤٤٣، ٤٤٤).
(٣) هناك قول في هذه المسألة في المذهب وهو التحريم مطلقًا حتى ولو كان أكثر ماله حلالًا ومنهم من حدده بالثلث، فإذا زاد حرم، كما حكاه ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/ ٤٤١) ودليلهم هو دليل القول الأول، لكن الأظهر جواز ذلك. قال: شيخ الإسلام ابن تيمية عن الرجل إذا كان أكثر ماله حلالًا، وفيه شبهة قليلة، فإذا أضاف الرجل أو دعاه هل يجيبه أم لا؟ فقال: الحمد لله إذا كان في الترك مفسدة من قطيعة رحم أو فساد ذات البيت ونحو ذلك، فإنه يجيبه لأن الصلة وصلاح ذات البين واجب فإذا لم يتم إلا بذلك كان واجبًا وليست الإجابة محرمة. أو يقال إن مصلحة ذلك الفعل راجحة على ما يخاف من الشبهة وإن لم يكن فيه مفسدة بل الترك مصلحة تقوية الشبهة ونهى الداعي عن قليل الإثم وكان في الإجابة مصلحة الإجابة فقط وفيها مفسدة الشبهة فأيهما أرجح؟ هذا فيه خلاف فيما أظنه وفروع هذه المسألة كثيرة قد نقل أصحابنا وغيرهم فيها مسائل قد يرجح بعض العلماء جانب الترك والورع ويرجح بعضهم جانب الطاعة والمصلحة. الفتاوى (٣٢/ ٢١٤، ٢١٥). وقال ابن رجب: وإذا كان أكثر ماله الحلال جازت معاملته والأكل من ماله، وقد روى الحارث عن علي أنه قال في جوائز السلطان لا بأس بها ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام، وكان النبي - ﷺ - وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم أنهم لا يجتنبون الحرام كله. جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠٠).
[ ١٢٧ ]
دليل هذا القول:
١ - حديث النعمان بن بشير ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) وابن ماجة (٦) كلهم من طرق عن الشعبي عن النعمان به.
وقد فسر الإمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام يعني الحلال المحض والحرام المحض، وقال من اتقاها فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال بالحرام (٧).
٢ - حديث عدي بن حاتم ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل، وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه». قلت: أرسل كلبي فأجد
_________________
(١) في صحيحه (١/ ٢٨ رقم ٥٢) كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه وأخرجه برقم (١٩٤٦).
(٢) في صحيحه (٣/ ١٢١٩ رقم ١٥٩٩) كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات.
(٣) في سننه (٣/ ٦٢٣، ٦٢٤ رقم ٣٢٩، ٣٣٠) كتاب البيوع، باب في اجتناب الشبهات.
(٤) في سننه (٣/ ٥٠٢ رقم ١٢٠٥) كتاب البيوع، باب ما جاء في ترك الشبهات.
(٥) في سننه (٧/ ٢٤١ رقم ٤٤٥٣) كتاب البيوع، باب اجتناب الشبهات في الكسب.
(٦) في سننه (٢/ ١٣١٨ رقم ٣٩٨٤) كتاب الفتن، باب الوقوف عند الشبهات.
(٧) جامع العلوم والحكم (١/ ١٩٩).
[ ١٢٨ ]
معه كلبًا آخر؟ قال: «لا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب آخر».
أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) وابن ماجة (٥).
وفي لفظ للبخاري (٦) «وإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل».
وفي لفظ لمسلم «إن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل، فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله» (٧).
٣ - عن عائشة (٨) ﵂ قالت كان غلام لأبي بكر يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة، إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه.
_________________
(١) في صحيحه (١/ ٧٦ رقم ١٧٣) كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان.
(٢) في صحيحه (٣/ ١٥٣١ رقم ١٩٢٩) كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة.
(٣) في سننه (٣/ ٢٧٠ رقم ٢٨٤٩) كتاب الصيد، باب في الصيد.
(٤) في سننه (٧/ ١٧٩ رقم ٤٢٦) كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بالتسمية عند الصيد.
(٥) في سننه (٢/ ١٠٧ رقم ٣٢٠٨) كتاب الصيد، باب صيد الكلب.
(٦) في صحيحه (٥/ ٢٠٩٠ رقم ٥١٦٩) كتاب الذبائح والصيد، باب ما جاء في التصيد.
(٧) هذا الحديث احتج به الإمام أحمد على هذه المسألة. الآداب الشرعية (١/ ٤٤٤).
(٨) هذا الدليل ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠٠).
[ ١٢٩ ]
أخرجه البخاري (١).
فالذي يظهر من فعل أبي بكر هذا إنما هو لما ثبت عنده من النهي عن حلوان الكاهن كما قاله الحافظ ابن حجر (٢)، ويحتمل أنه فعله على سبيل الورع لأنه لم يعلم به إلا بعد الأكل.
٤ - عن الحسن بن علي قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
أخرجه الترمذي (٣) والنسائي (٤) والطيالسي (٥) وأحمد (٦) والدارمي (٧) وأبو يعلى (٨) وابن حبان (٩) والحاكم (١٠).
من طرق عن شعبة عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي عن الحسن بن علي به بإسناد صحيح.
_________________
(١) في صحيحه (٣/ ١٣٩٥ رقم ٣٦٢٩) كتاب فضائل الصحابة، باب أيام الجاهلية.
(٢) الفتح (٧/ ١٥٤).
(٣) في سننه (٤/ ٦٦٨ رقم ٢٥١٨) كتاب صفة القيامة، باب (٦٠).
(٤) في سننه (٨/ ٣٢٧ رقم ٥٧٠٠) كتاب الأشربة، باب الحث على ترك الشبهات.
(٥) في مسنده (١٦٣ رقم ١١٧٨).
(٦) في مسنده (١/ ٢٠٠).
(٧) في سننه (٢/ ٢٤٥) كتاب البيوع، باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
(٨) في مسنده (١٢/ ١٣٢ رقم ٦٧٦٢).
(٩) في صحيحه (الإحسان - (٢/ ٤٩٨ رقم ٧٢٢) كتاب الرقاق، باب ذكر الزجر عما يريب المرء من أسباب هذه الدنيا الفانية الزائلة.
(١٠) في مستدركه (٢/ ١٣) كتاب البيوع، باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك و(٤/ ٩٩) كتاب الأحكام، باب الصدق طمأنينة.
[ ١٣٠ ]
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في موضع وقال في الموضع الآخر: قلت سنده قوي.
وأخرجه عبد الرزاق (١) والطبراني (٢) عن الحسن بن عمارة والطبراني (٣) عن الحسن بن عبيد الله كلاهما عن بريد بن أبي مريم به.
تنبيه: وقع عند الطيالسي والدارمي والحاكم يزيد بدل «بريد» ولعله تصحيف فإن الذي يروي عن أبي الحوراء ويروي عنه شعبة هو بريد بالباء (٤).
٥ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الإثم حواز (٥) القلوب».
أخرجه البيهقي (٦) من طريق سعيد بن منصور ثنا سفيان عن منصور عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود به مرفوعًا.
_________________
(١) في مصنفه (٣/ ١١٧ رقم ٤٩٤٨) كتاب الصلاة، باب القنوت.
(٢) في المعجم الكبير (٣/ ٧٦ رقم ٢٧١١).
(٣) في المعجم الكبير (٣/ ٧٥ رقم ٢٧٠٨).
(٤) تهذيب الكمال (٤/ ٥٢) و(٣٢/ ٢٤٣).
(٥) بتشديد الواو أي يحوزها ويتملكها ويغلب عليها، ويروى الإثم حزاز القلوب بزائين الأولى مشددة وهي فعال من الحز. النهاية (١/ ٣٧٨).
(٦) في شعب الإيمان (٤/ ٣٦٧ رقم ٥٤٣٤) باب في تحريم الفروج.
[ ١٣١ ]
وأخرجه ابن أبي عمر العدني (١) عن سفيان والطبراني (٢) عن زائدة كلاهما عن منصور عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه (٣) عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا.
قال العراقي عقب المرفوع المعروف أنه من قول ابن مسعود وإسناده صحيح رويناه في مسند العدني ثم ساق سنده (٤).
وله طرق أخرى موقوفة عند الطبراني (٥) والبيهقي (٦).
قال الهيثمي: رواه الطبراني كله بأسانيد رجالها ثقات (٧).
وقال العراقي: قد ورد في معناه مرفوعًا عدة أحاديث منها حديث النواس بن سمعان «الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس» (٨) ومنها
_________________
(١) في مسنده (المطالب العالية - (٢/ ١٦٥ رقم ١٦٠٥) كتاب النكاح، باب أحكام النظر.
(٢) في المعجم الكبير (٩/ ١٤٩ رقم ٨٧٤٨).
(٣) وقع عند ابن أبي عمر - كما في المطالب بدون - عن أبيه - ولعلها سقط، فإن العراقي عزاه له وساق السند وفيه «عن أبيه» تخريج أحاديث أحياء علوم الدين (١/ ١٠٠).
(٤) تخريج أحاديث أحياء علوم الدين (١/ ١٠٠).
(٥) في المعجم الكبير (٩/ ١٤٩، ١٥٠ رقم ٨٧٤٩، ٨٧٥٠).
(٦) في شعب الإيمان (٥/ ٤٥٨ رقم ٧٢٧٧) باب في معالجة كل ذنب بالتوبة.
(٧) مجمع الزوائد (١/ ١٧٦).
(٨) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٩٨٠ رقم ٢٥٥٣) كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البر والإثم.
[ ١٣٢ ]
حديث وابصة بن معبد «الإثم ما حاك في نفسك وتردد في الصدر» (١) ومنها حديث واثلة «والإثم ما حاك في صدرك» (٢) (٣).
٦ - عن أنس ﵁ قال: «إذا دخلت على رجل لا تتهمه في بطنه فكل من طعامه واشرب من شرابه».
أخرجه البخاري (٤) تعليقًا ووصله ابن أبي شيبة (٥) ثنا وكيع عن سفيان عن عمرو (٦) الأنصاري قال: سمعت أنسا به بإسناد صحيح (٧).
القول الثاني: كراهية الأكل والورع ترك ذلك. كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية والعراقي وغيرهما (٨).
ودليل هذا القول عموم الأدلة في هذه المسألة.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٢٨) وقال المنذري: رواه أحمد بإسناد حسن. الترغيب والترهيب (٢/ ٥٥٧).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٢٧).
(٣) تخريج أحاديث أحياء علوم الدين (١/ ١٠٠).
(٤) في صحيحه (٥/ ٢٠٧٩) كتاب الأطعمة، باب الرجل يدعى إلى الطعام فيقول وهذا معي.
(٥) في مصنفه (٨/ ١٠٢ رقم ٤٤٨٥) كتاب العقيقة، باب من قال إذا دخلت على أخيك فكل من طعامه.
(٦) التصويب من تغليق التعليق للحافظ (٤/ ٤٩٤) ووقع في مصنفه «عمر» بدون الواو.
(٧) هذا الدليل ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/ ٤٤١).
(٨) الفتاوى (٣٢/ ٢١٥) طرح التثريب (٧/ ٧٥) الآداب الشرعية (١/ ٤٤١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٩٩ - ٢٠٠).
[ ١٣٣ ]
القول الثالث: جواز الأكل.
وممن قال بهذا الزهري ومكحول والفضيل بن عياض وأحمد في رواية وإسحاق وابن سيرين وسعيد بن جبير والحسن البصري (١) ومورق العجلي وغيرهم (٢).
قال ابن رجب: ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنه من الحرام بعينه. وروي في ذلك آثار عن السلف (٣).
أدلة هذا القول:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأل عنه، وإن سقاه شرابًا من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأل عنه».
أخرجه أحمد (٤) وأبو يعلى (٥) والطبراني (٦) والحاكم (٧) والخطيب (٨).
من طرق عن مسلم بن خالد الزنجي عن زيد بن أسلم عن سُمي عن أبي صالح عن أبي هريرة به. إلا عند أبي يعلى عن مسلم بن خالد عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي هريرة به مرفوعًا.
_________________
(١) وعنه قول آخر وهو أن هذه المكاسب قد فسدت فخذوا منها شبه المضطر. جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠٠).
(٢) الآداب الشرعية (١/ ٤٤١، ٤٤٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٩٩، ٢٠٠).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠٠).
(٤) في مسنده (٢/ ٣٩٩).
(٥) في مسنده (١١/ ٢٣٩ رقم ٦٣٥٨).
(٦) في الأوسط (٣/ ٢١٩ رقم ٢٤٦١) وقال لم يرو هذا الحديث عن زيد إلا مسلم.
(٧) في مستدركه (٤/ ١٢٦) كتاب الأطعمة، باب كل عند أخيك ولا تسأل عن الشيء.
(٨) في تاريخ بغداد (٣/ ٨٧).
[ ١٣٤ ]
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
لكن هذا الطريق فيه مسلم بن خالد الزنجي، قواه بعض أهل العلم وتكلم فيه آخرون، ومن تكلم فيه أكثر وهو ممن يعتبر به (١).
وقال الحافظ: فقيه صدوق كثير الأوهام (٢).
وللحديث علة أخرى وهي الوقف فقد أخرجه عبد الرزاق (٣) وابن أبي شيبة (٤) من طريق ابن عيينة عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة موقوفًا.
وعند عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة موقوفًا، وهذا الطريق ابن عجلان وثقه غير واحد (٥).
وقال فيه الحافظ: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة (٦).
وفي هذا الإطلاق نظر وقد بين ذلك ابن حبان فقال: قال يحيى القطان سمعت محمد بن عجلان يقول: كان سعيد المقبري يحدث عن أبيه عن أبي هريرة وعن أبي هريرة فاختلط على فجعلتها كلها عن أبي هريرة.
قال أبو حاتم: قد سمع سعيد المقبري من أبي هريرة وسمع عن أبيه عن أبي هريرة فلما اختلط على ابن عجلان صحيفته ولم يميز بينهما اختلط فيها وجعلها كلها عن أبي هريرة، وليس هذا مما يوهي الإنسان به، لأن الصحيفة كلها في نفسها صحيحة فما قال ابن عجلان عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، فذاك مما
_________________
(١) تهذيب الكمال (٢٧/ ٥٠٨).
(٢) التقريب (٥٢٩).
(٣) في مصنفه (٩/ ٢٢٧ رقم ١٧٠٢٣) كتاب الأشربة، باب الحد في نبيذ الأسقية.
(٤) في مصنفه (٨/ ١٠٢ رقم ٤٤٨٤) كتاب العقيقة، باب من قال إذا دخلت على أخيك فكل من طعامه.
(٥) تهذيب الكمال (٢٦/ ١٠١).
(٦) التقريب (٤٩٦).
[ ١٣٥ ]
حمل عنه قديمًا قبل اختلاط صحيفته عليه، وما كان عن سعيد عن أبي هريرة فبعضها متصل صحيح وبعضها منقطع؛ لأنه أسقط أباه منها فلا يجب الاحتجاج عند الاحتياط إلا بما يروي الثقات المتقنون عنه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وإما يوهى أمره لو قال في الكل عن سعيد عن أبي هريرة فإنه لو قال ذلك كان كاذبًا في البعض؛ لأن الأكل لم يسمعه سعيد عن أبي هريرة فلو قال ذلك لكان الاحتجاج به ساقطًا على حسب ما ذكرناه (١).
وعلى هذا فسند ابن أبي شيبة يرد عليه هذا الكلام، أما سند عبد الرزاق فلا يرد عليه هذا؛ لأنه من طريق سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وقد تابع ابن عجلان أبو معشر المدني عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة موقوفًا أخرجه عبد الرزاق (٢) وأبو معشر ضعفه غير واحد (٣).
وأخرجه الحاكم (٤) من طريق سفيان عن ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة رواية به، وهذا يوحي برفعه ولكن هذا يرد عليه كلام ابن حبان السابق لأن ابن عجلان أسقط والد أبي سعيد.
والحاصل أن رواية الوقف أقوى من الرفع، والله أعلم.
٢ - عن ذر بن عبد الله عن ابن مسعود قال: جاء إليه رجل فقال: إن لي جارًا يأكل الربا وإنه لا يزال يدعوني فقال: «مهنأه لك وإثمه عليه». قال سفيان فإن عرفته بعينه فلا تصبه.
أخرجه عبد الرزاق (٥) عن الثوري عن سلمة بن كهيل عن ذر به.
_________________
(١) في الثقات (٧/ ٣٨٦ - ٣٨٧).
(٢) في مصنفه (٩/ ٢٧٧ رقم ١٧٠٢٤).
(٣) تهذيب الكمال (٢٩/ ٣٢٢) واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي.
(٤) في مستدركه (٤/ ١٢٦).
(٥) في مصنفه (٨/ ١٥٠ رقم ١٤٦٧٥) كتاب البيوع، باب طعام الأمراء وآكل الربا.
[ ١٣٦ ]
وأخرجه أيضًا عن معمر عن منصور عن سلمة بن كهيل عن ذر، به، ورجال إسناده ثقات.
وصحح أثر ابن مسعود الإمام أحمد (١) وابن رجب الحنبلي (٢).
٣ - عن سلمان الفارسي قال: إذا كان لك صديق عامل أو جار عامل أو ذو قرابة عامل فأهدى إليك هدية أو دعاك إلى طعام فاقبله، فإن مهنأه لك وإثمه عليه.
أخرجه عبد الرزاق (٣) عن معمر عن أبي إسحاق عن الزبير بن عدي عن سلمان به.
ورجال إسناده ثقات، ويخشى فيه من الانقطاع بين الزبير وسلمان (٤).
٤ - أن اليهود والنصارى يأكلون الربا وقد أحل الله طعامهم (٥).
قال ابن رجب (٦): والآثار بذلك (٧) موجودة في كتاب الأدب لحميد بن زنجويه وبعضها في كتاب الجامع للخلال، وفي مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠١).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠١).
(٣) في مصنفه (٨/ ١٥٠ رقم ١٤٦٧٧) كتاب البيوع، باب طعام الأمراء وآكل الربا.
(٤) وجه ذلك أن سلمان توفى سنة (٣٣) أو (٣٤) وذكر المزي أن أبا إسحاق السبيعي أكبر من الزبير بن عدي وولادة أبي إسحاق السبيعي سنة (٣٣) على الصحيح وعلى هذا تكون ولادة الزبير بعد ولادة أبي إسحاق السبيعي أي بعد سنة (٣٣) فلم يدرك سلمان لأن ولادته سنة (٣٣) أو (٣٤) والله أعلم. تهذيب الكمال (٩/ ٣١٧) و(١١/ ٢٥٥) و(٢٢/ ١١٢).
(٥) الآداب الشرعية وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن الحسن (٨/ ١٥١ رقم ١٤٦٨١).
(٦) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠١).
(٧) أي في الإباحة.
[ ١٣٧ ]
الترجيح:
من خلال تأمل الأقوال في هذه المسألة وأدلتها يظهر والله أعلم قوة القول الثاني، وهو القول بالكراهة لما فيه من الجمع بين الأدلة في هذه المسألة؛ ولأن أدلة التحريم غير صريحة في المنع إذا لم يعلم الحرام بعينه بل محتملة فالورع ترك ذلك، وكما قيل الورع محمود المقاصد وبخاصة إذا كان ممن يقتدى به.
[ ١٣٨ ]