إذا كان الداعي مفاخرًا لم تجب الإجابة.
دليل هذا (٣) الشرط: حديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - نهى عن طعام المتبارين أن يؤكل، أخرجه أبو داود (٤) والبيهقي (٥) من طريق جرير بن حازم عن الزبير بن خريت قال: سمعت عكرمة به.
ورجال إسناده ثقات وقال ابن مفلح: إسناد جيد (٦) لكن قال أبو داود في السنن: أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس، وهارون النحوي ذكر فيه ابن عباس أيضًا، وحماد بن زيد لم يذكر ابن عباس.
وأخرجه الحاكم (٧) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي من طريق هارون بن موسى النحوي عن الزبير بن الحارث - هكذا في المستدرك، ولعله ابن خريت كما في سنن أبي داود - عن عكرمة عن ابن عباس به.
_________________
(١) الآداب الشرعية (١/ ٢٩٥).
(٢) ذكر هذا الشرط ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/ ٢٩٥) نقلًا عن ابن الجوزي والمرداوي في الإنصاف نقلًا عن ابن الجوزي في المنهاج (٨/ ٣١٨).
(٣) هذا الدليل ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/ ٢٩٥).
(٤) في سننه (٤/ ١٣٢ رقم ٣٧٥٤) كتاب الأطعمة، باب طعام المتباريين.
(٥) في سننه (٧/ ٢٧٤) كتاب الصداق، باب طعام المتباريين.
(٦) الآداب الشرعية (١/ ٢٩٥).
(٧) في مستدركه (٤/ ١٢٨).
[ ١٢٤ ]
وقال البغوي: والصحيح أنه عن عكرمة عن النبي - ﷺ - مرسل (١).
لكن الحديث له شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا «المترائيان لا يجابان ولا يؤكل طعامهما» أخرجه ابن السماك (٢) من طريق علي بن الحسن الضرير عن أبي حمزة السكري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، به.
وسنده صحيح إن كان علي بن الحسن هو ابن شقيق العبدي فإنه يروي عن أبي حمزة، لكن لم أر من وصفه بالضرير، والله أعلم.
قال ابن الأثير: إن المتباريين هما المتعارضان بفعلهما ليُعجز أحدهما الآخر بصنيعه، وإنما كرهه لما فيه من المباهاة والرياء (٣).
قال ابن مفلح: فهذا يدل كما ذكره ابن الجوزي في المفاخر بدعوته، وذكر أبي داود لذلك يوافقه، ثم هل يحرم أكل هذا الطعام أو يكره؟ يحتمل وجهين نظرًا لظاهر النهي والمعنى (٤).
وقال الخطابي: المتباريان المتعارضان بفعلهما يقال: تبارى الرجلان إذا فعل كل واحد منهما مثل ما فعل صاحبه، ليرى أيهما يغلب صاحبه.
وإنما كره ذلك لما فيه من الرياء والمباهاة ولأنه داخل في جملة ما نهي عنه من أكل المال بالباطل (٥).
_________________
(١) في شرح السنة (٩/ ١٤٤).
(٢) في جزء من حديثه (ق٦٤/ ١) نقلًا عن السلسلة حديث رقم (٦٢٦).
(٣) النهاية (١/ ١٢٣).
(٤) الآداب الشرعية (١/ ٢٩٥).
(٥) معالم السنن (٥/ ٢٩٤).
[ ١٢٥ ]
وقال ابن القيم: الوجه الخامس والتسعون (١): أنه - ﷺ - نهى عن طعام المتباريين وهما الرجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر ومباهاته، إما في التبرعات كالرجلين يصنع كل منهما دعوة يفتخر بها على الآخر ويباريه فيها.
وإما في المعاوضات كالبائعين يرخص كل منهما سلعته لمنع الناس من الشراء من صاحبه، ونص الإمام أحمد على كراهة الشراء من هؤلاء، وهذا النهي يتضمن سد الذريعة من وجهين:
أحدهما: أن تسليط النفوس على الشراء منهما وأكل طعامهما تفريح لهما وتقوية لقلوبهما، وإغراء لهما على فعل ما كرهه الله ورسوله - ﷺ -.
والثاني: أن ترك الأكل من طعامهما ذريعة إلى امتناعهما وكفهما عن ذلك (٢).