وهذا الشرط على المشهور كما قاله الحافظ ابن حجر (٣) وإلا فإن في المسألة خلافًا كما سيأتي.
دليل هذا الشرط:
قول النبي - ﷺ -: «الوليمة أول يوم حق والثاني معروف والثالث رياء وسمعة».
وهذا الحديث مروي عن جماعة من الصحابة هم: زهير بن عثمان وأبو هريرة وابن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس ووحشي بن حرب.
_________________
(١) طرح التثريب (٧/ ٧٧).
(٢) ذكر هذا الشرط النووي في شرح مسلم (٩/ ٢٣٤) وابن قدامة في المغني (٧/ ٣) والعراقي في طرح التثريب (٧/ ٧١) وابن حجر في الفتح (٩/ ٢٤٢) والشوكاني في النيل (٦/ ٢٠٢) والصنعاني في السبل (٣/ ٢٧٤) وصاحب عون المعبود (١٠/ ٢٠٣).
(٣) الفتح (٩/ ٢٤٢).
[ ١٠٥ ]
فأما حديث زهير بن عثمان
فأخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢) وأحمد (٣) والبخاري في التاريخ الكبير (٤) والدارمي (٥) والطحاوي (٦) والطبراني (٧) والبيهقي (٨).
كلهم من طريق همام حدثنا قتادة عن الحسن عن عبد الله بن عثمان الثقفي عن رجل أعور من ثقيف قال قتادة: كان يقال له معروفًا - أي يثني عليه خيرًا - يقال له زهير بن معاوية أن النبي - ﷺ -، به.
وفي بعضها قال قتادة: وكان يقال له معروفًا إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ما اسمه: أن رسول الله - ﷺ -، به.
وهذا الطريق معلول من أوجه:
الأول: الخلاف في صحبة زهير بن عثمان.
قال البخاري عقب إخراجه لهذا الحديث في ترجمة زهير: ولم يصح إسناده ولا يعرف له صحبة (٩).
_________________
(١) في سننه (٤/ ٢٦ رقم ٣٧٤٥) كتاب الأطعمة، باب في كم تستحب الوليمة.
(٢) في الكبرى (٤/ ١٣٧ رقم ٦٥٩٦) كتاب الوليمة، باب عدد أيام الوليمة.
(٣) في مسنده (٥/ ٢٨).
(٤) (٣/ ٤٢٥).
(٥) في سننه (٢/ ١٠٤، ١٠٥) كتاب الأطعمة، باب في الوليمة.
(٦) شرح مشكل الآثار (٨/ ٢٣ رقم ٣٠٢١).
(٧) في المعجم الكبير (٥/ ٢٧٢ رقم ٥٣٠٦).
(٨) في سننه (٧/ ٢٦٠) كتاب الصداق، باب أيام الوليمة.
(٩) التاريخ (٣/ ٤٢٥).
[ ١٠٦ ]
وساقه ابن عبد البر من طريق الحسن بن عبد الله بن عثمان عنه قال: يقال إنه مرسل (١).
وقال ابن السكن: ليس بمعروف في الصحابة (٢).
لكن قال الحافظ ابن حجر عقب قول البخاري: وأثبت صحبته ابن أبي خيثمة وأبو حاتم والترمذي والأزدي وغيرهم (٣).
وقال في التهذيب تبعًا للمزي: وعداده في الصحابة الذين نزلوا البصرة (٤)، وجزم بصحبته في التقريب (٥).
الثاني: جهالة عبد الله بن عثمان الثقفي كما قاله الحافظ ابن حجر (٦).
الثالث: الإرسال فقد وصله همام عن قتادة وخالفه معمر عن قتادة عن الحسن مرسلًا، فلم يذكر عثمان ولا زهيرًا.
أخرجه عبد الرزاق (٧) والبغوي (٨) وقال: هكذا رواه معمر مرسلًا ويروى متصلًا عن ابن مسعود بإسناد غريب.
وأخرجه النسائي (٩) من طريق يونس عن الحسن مرسلًا أيضًا، وقال
_________________
(١) الاستيعاب (١/ ٥٧٧).
(٢) الإصابة (١/ ٥٥٤).
(٣) الإصابة (١/ ٥٥٤).
(٤) (٣/ ٢٤٧).
(٥) (٢١٧).
(٦) التقريب (٣١٣).
(٧) في مصنفه (١٠/ ٤٤٧ رقم ١٩٦٦١) كتاب الجامع، باب الوليمة.
(٨) في شرح السنة (٩/ ١٤٢ رقم ٢٣١٩) كتاب النكاح، باب الإجابة إلى الوليمة إذا دعي إليها.
(٩) في الكبرى (٤/ ١٣٧ رقم ٦٥٩٧).
[ ١٠٧ ]
الحافظ: وقد خالف يونس بن عبيد قتادة في إسناده فرواه عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا أو معضلا لم يذكر عبد الله بن عثمان ولا زهيرًا، أخرجه النسائي ورجحه على الموصول، وأشار أبو حاتم إلى ترجيحه (١).
والعجيب أن الحافظ ابن حجر قوَّى حديث زهير من هذا الطريق فقال: رواه أبو داود والنسائي بسند لا بأس به (٢).
والحاصل أن الحديث بهذا الطريق ضعيف، وقد ضعفه البخاري في التاريخ، وأشار إلى ذلك في الصحيح فقال: ومن أولم سبعة أيام ونحوه، ولم يؤقت النبي - ﷺ - يومًا ولا يومين.
وذكره عبد الحق في الأحكام الوسطى (٣) وذكر قول البخاري ولم يتعقبه وقال ابن عبد البر: في إسناده نظر ويقال: إنه مرسل (٤).
أما حديث أبي هريرة
فأخرجه ابن ماجة (٥) من طريق عبد الملك بن حسين أبي مالك النخعي عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة به. وسنده ضعيف.
_________________
(١) في الفتح (٩/ ٢٤٠).
(٢) في الإصابة (١/ ٥٥٤).
(٣) (٣/ ١٥٩).
(٤) في الاستيعاب (١/ ٥٧٧).
(٥) في سننه (١/ ٦١٧ رقم ١٩١٥) كتاب النكاح، باب إجابة الداعي.
[ ١٠٨ ]
قال الحافظ في التلخيص: وفي إسناده عبد الملك بن حسين النخعي الواسطي: ضعيف (١)، وقال في التقريب: متروك (٢)، وقال في الفتح: وفيه عبد الملك بن حسين، وهو ضعيف جدًا (٣).
وقال البوصيري: هذا إسناد فيه عبد الملك بن حسين وهو ضعيف (٤).
أما حديث ابن مسعود
فأخرجه الترمذي (٥) والبيهقي (٦) كلاهما من طريق زياد بن عبد الله البكائي حدثنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود به.
قال الترمذي: حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث زياد بن عبد الله، وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير. قال وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة قال: قال وكيع: زياد بن عبد الله مع شرفه يكذب في الحديث. ا. هـ.
وقال البيهقي: وحديث البكائي أيضًا غير قوي (٧).
وقال فيه الحافظ: صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعًا كذبه (٨).
_________________
(١) (٣/ ١٩٥).
(٢) (٦٧٠).
(٣) (٩/ ٢٤٣).
(٤) في الزوائد (٢/ ٩٤).
(٥) في سننه (٣/ ٣٩٥ رقم ١٠٩٧) كتاب النكاح، باب ما جاء في الوليمة.
(٦) في سننه (٧/ ٢٦٠).
(٧) في سننه (٧/ ٢٦١).
(٨) في التقريب (٢٢٠)
[ ١٠٩ ]
وقال في التهذيب: بعد قول وكيع: والذي في تاريخ البخاري عن ابن عقبة عن وكيع زياد أشرف من أن يكذب في الحديث، وكذا ساقه الحاكم أبو محمد في الكنى بإسناده إلى وكيع وهو الصواب ولعله سقط من رواية الترمذي «لا» وكان فيه مع شرفه لا يكذب في الحديث فتتفق الروايات. والله أعلم (١).
وقال في التلخيص: وقال الدارقطني: تفرد به زياد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عنه - أي ابن مسعود - قلت: وزياد مختلف في الاحتجاج به ومع ذلك فسماعه من عطاء بعد الاختلاط (٢).
أما حديث أنس
فأخرجه البيهقي (٣) من طريق بكر بن خنيس عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس به وقال: وليس هذا بقوي، بكر بن خنيس تكلموا فيه.
وقال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق له أغلاط، أفرط فيه ابن حبان (٤).
وبكر هذا تركه غير واحد أحمد بن صالح وابن خراش والدارقطني وغيرهم، وضعفه آخرون، وقال أبو حاتم لا يبلغ به الترك.
وقال ابن معين في رواية صالح لا بأس به إلا أنه يروي عن ضعفاء ويكتب من حديثه الرقاق وقال مرة: ليس بشيء (٥).
_________________
(١) تهذيب التهذيب (٣/ ٣٧٧).
(٢) التلخيص (٣/ ١٩٥).
(٣) في سننه (٧/ ٢٦٠، ٢٦١).
(٤) التقريب (١٢٦).
(٥) تهذيب الكمال (٤/ ٢١٠) الضعفاء والمتروكين للدارقطني (٢٩٠) تاريخ ابن معين (٢/ ٦٢) الجرح والتعديل (٢/ ٣٨٤).
[ ١١٠ ]
وقال الحافظ: في إسناده بكر بن خنيس وهو ضعيف، وذكره ابن أبي حاتم والدارقطني في العلل من حديث الحسن عن أنس ورجحا رواية من أرسله (١).
أما حديث ابن عباس
فأخرجه الطبراني (٢) من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء عن ابن عباس به.
قال الهيثمي: وفيه محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك (٣).
وقال الحافظ في التلخيص وعن وحشي بن حرب وابن عباس رواهما الطبراني في الكبير وإسنادهما ضعيف (٤).
وقال في الفتح: أخرجه الطبراني بسند ضعيف (٥).
أما حديث وحشي بن حرب
فأخرجه الطبراني (٦) من طريق محمد بن سليمان ثنا وحشي بن وحشي عن أبيه عن جده بنحوه.
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله وثقهم ابن حبان (٧) وضعفهم الحافظ.
وقال الحافظ أيضًا: بعد ذكره هذا الحديث وشواهده: وهذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال، فمجموعها يدل على أن للحديث أصلًا (٨).
_________________
(١) التلخيص (٣/ ١٩٦).
(٢) في الكبير (١١/ ١٥١ رقم ١١٣٣١).
(٣) مجمع الزوائد (٩/ ٢٥٢).
(٤) (٣/ ١٩٦).
(٥) (٩/ ٢٤٣).
(٦) في الكبير (٢٢/ ١٣٦، ١٣٧ رقم ٣٦٢).
(٧) مجمع الزوائد (٩/ ٢٥٢).
(٨) في الفتح (٩/ ٢٤٣).
[ ١١١ ]
وهذا الحديث وشواهده هو عمدة هذا الشرط وقد قال به جمع من أهل العلم واعتبروا الوجوب في اليوم الأول كما قاله ابن قدامة (١) والنووي (٢) وغيرهما.
قال ابن قدامة: وإن صنعت الوليمة أكثر من يوم جاز فقد روى الخلال بإسناده عن أبي أنه أعرس، ودعا الناس ثمانية أيام.
وإذا دعا في اليوم الأول وجبت الإجابة، وفي اليوم الثاني تستحب الإجابة، وفي اليوم الثالث لا تستحب.
قال أحمد: الأول يجب، والثاني إن أحب، والثالث فلا، وهكذا مذهب الشافعي (٣).
وحكى العراقي عن النووي في الروضة القطع بهذا، وقال: وليس كذلك فقد حكى ابن يونس في التعجيز وجهين في وجوب الإجابة في اليوم الثاني، وقال في شرحها أصحها الوجوب وبه قطع الجرجاني لوصف النبي - ﷺ - الثاني بأنه معروف (٤).
لكن هذا الحديث الذي هو عمدة هذا الشرط على القول بتقويته ظاهره يعارض ما أخرجه أبو يعلى في مسنده (٥) عن أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - تزوج صفية
_________________
(١) المغني (٧/ ٣).
(٢) شرح مسلم (٩/ ٢٣٤).
(٣) في المغني (٧/ ٣).
(٤) طرح التثريب (٧/ ٧١، ٧٢).
(٥) (٦/ ٤٤٦ رقم ٣٨٣٤) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٢٤٣) أخرجه أبو يعلى بسند حسن وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٩٤) هو في الصحيح باختصار الأيام. رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح خلا عيسى بن أبي عيسى ماهان وهو ثقة وفيه كلام لا يضر.
[ ١١٢ ]
وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام، وبسط نطعا جاءت به أم سليم، وألقى عليه أقطًا وتمرًا، وأطعم الناس ثلاثة أيام.
وقال البخاري: باب حق إجابة الوليمة والدعوة: ومن أولم سبعة أيام، ولم يوقت (١) النبي - ﷺ - يوما ولا يومين، وضعف حديث زهير كما تقدم، وقال (٢) قال ابن عمر وغيره عن النبي - ﷺ - إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب، ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها وهذا أصح (٣).
وأخرج عبد الرزاق (٤) والبيهقي (٥) من طريق معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال تزوج أبي فدعا الناس ثمانية أيام، فدعا أبي بن كعب فيمن دعا، فجاء يومئذ وهو صائم فصلى، يقول دعا بالبركة ثم خرج.
وأخرجه البيهقي من طريق وهيب عن أيوب عن محمد قال حدثتني حفصة أن سيرين عرس بالمدينة، فأولم فدعا الناس سبعا، وكان فيمن دعا أبي بن كعب فجاء وهو صائم فدعا لهم بخير وانصرف.
وقال عقبة: وكذا رواه حماد بن زيد عن أيوب سبعا، إلا أنه لم يذكر حفصة في إسناده وقال معمر عن أيوب ثمانية. والأول أصح.
وأخرجه من طريق عبد الوهاب عن أيوب عن محمد بن سيرين أن أباه دعا نفرًا من أصحاب النبي - ﷺ -، فأتوا فيهم أبي بن كعب ﵁ أحسبه قال فبارك وانصرف.
_________________
(١) أي أطلق في أحاديث إجابة الدعوة «إذا دعي أحدكم » فلم يحدد.
(٢) أي البخاري. سنن البيهقي (٧/ ٢٦١) طرح التثريب (٧/ ٧١، ٧٢).
(٣) الفتح (٩/ ٢٤٠).
(٤) في مصنفه (١٠/ ٤٤٨ رقم ١٩٦٦٥) كتاب الجامع، باب الوليمة.
(٥) في سننه (٧/ ٢٦١) كتاب الصدقة، باب أيام الوليمة.
[ ١١٣ ]
وهذا الأثر يخشى فيه من الانقطاع، وهو أن ابن سيرين وأخته حفصة لم يدركا زمن القصة وهو زواج سرين (١).
فإن ظاهر هذا عدم التقديم بيوم أو يومين.
ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى عدم التحديد بيوم أو يومين كما قاله البخاري، وقال القاضي عياض (٢): استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا قال: وقال بعضهم: محلها إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله ولم يكرر عليهم.
لكن يمكن أن يجمع بينهما بما قاله الحافظ: فيمكن حمل ما وقع من السلف من الزيادة على اليومين عند الأمن من ذلك - يعني السمعة والرياء - وإنما أطلق ذلك على الثالث لكونه الغالب، والله أعلم (٣).