وجوب إجابة الدعوة مطلقًا سواء كانت عرسًا أو غيره وممن قال بهذا: بعض الشافعية وأهل الظاهر وعبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة والشوكاني وابن حزم، وقال: إن هذا قول جمهور الصحابة والتابعين (١).
لكن تعقبه العراقي (٢) فقال: وادعى ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين وفي ذلك نظر.
وقال الحافظ ابن حجر: وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين، ويعكر عليه ما نقلناه عن عثمان بن أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: «لم يكن يدعى لها» لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا (٣).
_________________
(١) المحلى (٩/ ٢٣، ٢٥)، التمهيد (١/ ٢٣٣) و(١٠/ ١٧٨)، وشرح مسلم للنووي (٩/ ٢٣٤)، المغني (٧/ ٢، ٤)، طرح التثريب (٧/ ٧٠، ٧٧)، الفتح (٩/ ٢٤٢، ٢٤٧) عون المعبود (١٠/ ٢٠٢) تحفة الأحوذي (٤/ ٢٢٢) نيل الأوطار (٦/ ٢٠٢) سبل السلام (٣/ ٢٧٣).
(٢) طرح التثريب (٧/ ٧٧).
(٣) الفتح (٩/ ٢٤٧).
[ ١١ ]
أدلة هذا القول:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله - ﷺ -».
أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن ماجة (٥)، وفي لفظ لمسلم مرفوعًا جميعه (٦).
_________________
(١) في صحيحه (٥/ ١٩٨٥ رقم ٤٨٨٢) كتاب النكاح، باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله.
(٢) في صحيحه (٢/ ١٠٥٤ رقم ١٤٣٢) كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوته.
(٣) في سننه (٤/ ١٢٥ رقم ٣٧٤٢) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في إجابة الدعوة.
(٤) في الكبرى (٤/ ١٤١ رقم ٦٦١٢، ٦٦١٣) كتاب الوليمة، باب طعام العرس.
(٥) في سننه (١/ ٦١٦ رقم ١٩١٣) كتاب النكاح، باب إجابة الداعي.
(٦) قال الحافظ ابن حجر: وأول هذا الحديث موقوف، ولكن أمره يقتضي رفعه، ذكر ذلك ابن بطال، قال: ومثله حديث أبي الشعثاء أن أبا هريرة أبصر رجلًا خارجًا من المسجد بعد الأذان فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم، قال ومثل هذا لا يكون رأيًا ولهذا أدخله الأئمة في مسانيدهم. انتهى. وذكر ابن عبد البر أن جل رواة مالك لم يصرحوا برفعه وقال فيه روح بن القاسم عن مالك بسنده قال رسول الله - ﷺ -. انتهى. وكذا أخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن مالك. وقد أخرجه مسلم من رواية معمر وسفيان بن عيينة عن الزهري شيخ مالك كما قال مالك. ومن رواية أبي الزناد عن الأعرج كذلك، والأعرج شيخ الزهري فيه هو عبد الرحمن كما وقع في رواية سفيان قال: سألت الزهري فقال: حدثني عبد الرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة فذكره. ولسفيان فيه شيخ آخر بإسناد آخر إلى أبي هريرة صرح فيه برفعه إلى النبي - ﷺ - أخرجه مسلم أيضًا من طريق سفيان سمعت زياد بن سعد يقول: سمعت ثابتًا الأعرج يحدث عن أبي هريرة «أن النبي - ﷺ - قال: فذكر نحوه» وكذا أخرجه أبو الشيخ من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا صريحًا، وأخرج له شاهدًا من حديث ابن عمر كذلك. اهـ. الفتح (٩/ ٢٤٤) التمهيد (١٠/ ١٧٥) وقال في التلخيص (٣/ ١٩٥): وفي رواية لمسلم التصريح برفع جميعه، وتعقبها الدارقطني في العلل.
[ ١٢ ]
وفي الباب عن ابن عمر (١)، وابن عباس (٢) ﵃.
ووجه الدلالة منه أن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب والوليمة تشمل العرس وغيره (٣).
٢ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها».
أخرجه البخاري (٤)، ومسلم (٥)، وأبو داود (٦)، النسائي (٧).
وفي لفظ متفق عليه: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها. قال: وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ويأتيها وهو صائم».
وفي لفظ لمسلم وأبي داود «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو نحوه».
_________________
(١) أخرجه أبو الشيخ كما ذكره الحافظ في الفتح (٩/ ٢٤٤) وأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ١١٤٨) لكن في إسناده سلام بن سليم قال فيه الحافظ: متروك. التقريب (٢٦١).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٥٩ رقم ١٢٧٥٤) والأوسط كما في مجمع البحرين (٣/ ٣٢٨ رقم ١٩٠٣) كتاب الوليمة، باب في الطعام يدعى إليه الشبعان ويحبس عنه الجيعان، والبزار كما في كشف الأستار (٢/ ٧٥ رقم ١٢٤٠) أبواب الصيد، باب الوليمة. قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٥٣): وفيه سعد بن سويد المعولي ولم أجد من ترجمة، وفيه عمران القطان وثقه أحمد وجماعة وضعفه النسائي وغيره. اهـ.
(٣) الفتح (٩/ ٢٤٥) النيل (٦/ ٢٠٢).
(٤) في صحيحه (٥/ ١٩٨٤ رقم ٤٨٧٨) كتاب النكاح، باب حق إجابة الوليمة والدعوة، وانظر رقم (٤٨٨٤).
(٥) في صحيحه (٢/ ١٠٥٢ رقم ١٤٢٩) كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي الدعوة.
(٦) في سننه (٤/ ١٢٣ رقم ٣٧٣٦) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في إجابة الدعوة، وانظر رقم (٢٧٣٨).
(٧) في الكبرى (٤/ ١٤٠ رقم ٦٦٠٨) كتاب الأطعمة، باب إجابة الدعوة.
[ ١٣ ]
وله ألفاظ أخر (١).
ووجه الدلالة منه أن النبي - ﷺ - أمر بإجابة الوليمة والدعوة والأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف، وقالوا إن الوليمة والدعوة تشمل العرس وغيره، ويؤيد هذا رواية مسلم وغيره «عرسًا كان أو نحوه» وأن عبد الله بن عمر وهو راوي الحديث كان يأتي الدعوة في العرس وهو صائم (٢).
_________________
(١) ومن هذه الألفاظ ما عند مسلم بلفظ «من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب» وفي لفظ له أيضًا: «إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا» وفي لفظ له وللترمذي (٣/ ٣٩٥ رقم ١٠٩٨) «ائتوا الدعوة إذا دعيتم» وفي لفظ له ولابن ماجة (١/ ٦١٦ رقم ١٩١٤): «إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب» وفي لفظ لأبي داود (٤/ ١٢٤ رقم ٣٧٣٧) والبيهقي (٧/ ٢٦٣) «فإن كان مفطرًا فليطعم وإن كان صائمًا فليدع» ورجال إسناده ثقات ويشهد له حديث أبي هريرة وغيره كما سيأتي ص (٢٢) وفي لفظ لابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح «كان ابن عمر إذا دعي ذهب إلى الداعي فإن كان صائمًا دعا بالبركة ثم انصرف، وإن كان مفطرًا جلس فأكل». قال نافع: قال ابن عمر: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا». الإحسان (١٢/ ١٠١ رقم ٥٢٩٠). وفي لفظ للطحاوي في المشكل (٨/ ٢٥ رقم ٣٠٢٢، ٣٠٢٣) «إذا دعا أحدكم أخاه لحق فليأته لدعوة عرس أو نحوه» وفيه محمد بن عبد الرحمن بن غنج قال فيه الحافظ: مقبول، لكن قال فيه الإمام أحمد: شيخ مقارب الحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا أعلم أحدًا روى عنه غير الليث بن سعد. وقال ابن حبان: حدث عن نافع بنسخة مستقيمة. رواية الميموني عن الإمام أحمد (١٩٧رقم ١٥٠) الجرح والتعديل (٧/ ٣١٨) الثقات (٧/ ٤٢٤) التقريب (٤٩٢).
(٢) شرح مسلم للنووي (٩/ ٢٣٤) طرح التثريب (٧/ ٧٧) الفتح (٩/ ٢٤٧).
[ ١٤ ]
وفي لفظ لأبي داود (١)، وابن عدي (٢)، والبيهقي (٣) من طريق دُورست بن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة دخل سارقًا وخرج مغيرًا».
وسنده ضعيف فيه أبان بن طارق مجهول ودورست ضعيف.
وقال أبو داود عقبه: أبان بن طارق مجهول، وضعف الحديث العراقي (٤).
وأخرجه ابن عدي من طريق خالد بن الحارث عن أبان بن طارق به، وقال أبان بن طارق: هذا لا يعرف إلا بهذا الحديث، وهذا الحديث معروف به وله غير هذا الحديث لعله حديثين أو ثلاثة، وليس له أنكر من هذا.
وأخرجه سعيد بن منصور (٥) من طريق الزهري مرسلًا.
وأخرجه أحمد (٦) من طريق العمري عن نافع، وفي سنده العمري.
والحاصل: أن الحديث ضعيف بهذا اللفظ.
وفي هذا اللفظ قال: «من دعي فلم يجب» ولم يخصها بالوليمة.
وفي لفظ لأبي يعلي (٧) «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله».
_________________
(١) في سننه (٤/ ١٢٥ رقم ٣٧٤) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في إجابة الدعوة.
(٢) في الكامل (١/ ٣٨٠).
(٣) في سننه (٣/ ٢٦٥) كتاب الصداق، باب من لم يُدعَ ثم جاء فأكل لم يحل له ما أكل، إلا بأن يحل له صاحب الوليمة.
(٤) تخريج أحاديث الإحياء (٢/ ٩١٥).
(٥) في سننه (١/ ١٤٨ رقم ٥٢٥).
(٦) في مسنده (٢/ ٦١).
(٧) في مسنده كما ذكره الحافظ في التلخيص (٣/ ١٩٥) وساقه مسندًا وصحح سنده.
[ ١٥ ]
ووجه الدلالة أنه سمى من لم يجب الدعوة عاصيًا لله ولرسوله.
قال ابن حزم: فإن قيل قد جاء في بعض الآثار «إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب» قلنا نعم لكن الآثار التي أوردنا فيها زيادة غير العرس مع العرس، وزيادة العدل لا يحل تركها (١).
٣ - حديث البراء بن عازب ﵁ قال: «أمرنا النبي - ﷺ - بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض وإتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار القسم ونصرة المظلوم وإفشاء السلام وإجابة الداعي، ونهانا عن خواتيم الذهب وعن آنية الفضة والمياثر والقسية والإستبرق والديباج».
أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
وفي الباب عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فكوا العاني، وأجيبوا الداعي وعودوا المريض» أخرجه البخاري (٦).
ووجه الدلالة منهما أن النبي - ﷺ - أمر بإجابة الداعي مطلقًا والأصل في الأمر الوجوب.
٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «حق المسلم
_________________
(١) في المحلى (٩/ ٢٤).
(٢) في صحيحه (١/ ٤١٧ رقم ١١٨٢) كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز. وكذا أخرجه برقم (٢٣١٣، ٤٨٨٠، ٥٣١٢، ٥٥٢٥، ٥٨٦٨).
(٣) في صحيحه (٣/ ١٦٥ رقم ٢٠٦٦) كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال الذهب والفضة على الرجال والنساء.
(٤) في سننه (٥/ ١١٧ رقم ٢٨٠٩) كتاب الأدب، باب ما جاء في كراهية لبس المعصفر للرجال والقسي.
(٥) في سننه (٨/ ٢٠١ رقم ٥٣٠٩) كتاب الزينة، باب النهي عن الثياب القسية.
(٦) في صحيحه (٥/ ١٩٨٤ رقم ٢٨٧٩) كتاب النكاح، باب حق إجابة الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام ونحوه.
[ ١٦ ]
على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس». أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، وابن ماجة (٤).
وفي لفظ لمسلم أيضًا، ولفظ أبي داود: «خمس تجب للمسلم على أخيه». وفي الباب عن علي (٥)،
_________________
(١) في صحيحه (١/ ٤١٨ رقم ١١٨٣) كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز.
(٢) في صحيحه (٤/ ١٧٠٤ رقم ٢١٦٢) كتاب الجنائز، باب ما جاء في عيادة المريض.
(٣) في سننه (٥/ ٢٨٨ رقم ٥٠٣٠) كتاب الأدب، باب في العطاس.
(٤) في سننه (١/ ٤٦١) كتاب الجنائز، باب ما جاء في عيادة المريض. وأخرجه مسلم والنسائي في السنن (٤/ ٥٣ رقم ١٩٣٨) والبخاري في الأدب المفرد (٣٠٩ رقم ٩٢٨) والترمذي في السنن (٥/ ٨٠ رقم ٢٧٣٧) بلفظ: حق المسلم على المسلم ست، وزادوا «إذا استنصحك فانصح له».
(٥) حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «للمسلم على المسلم ست بالمعروف: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه». أخرجه الترمذي (٥/ ٨٠ رقم ٢٧٣٦) كتاب الأدب، باب ما جاء في تشميت العاطس، وابن ماجة في السنن (١/ ٤٦١ رقم ١٤٣٣) كتاب الجنائز، باب ما جاء في عيادة المريض، وأحمد في المسند (١/ ٨٩) والدارمي في السنن (٢/ ٢٧٥) كتاب الإستئذان، باب في حق المسلم على المسلم، وأبو يعلى في المسند (١/ ٣٤٢ رقم ٤٣٥) وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٧٠١) من طريق أبي إسحاق عن الحارث عن علي به وسنده ضعيف لضعف الحارث الأعور. وأخرجه أبو يعلى في المسند (١/ ٣٩٢ رقم ٥٠٩) من طريق يحيى بن نصر بن حاجب حدثنا هلال بن خباب عن زاذان عن علي بنحوه، لكن في سنده يحيى بن نصر قال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه. وقال الذهبي: وأما ابن عدي فروى له أحاديث حسنة وقال: أرجو أنه لا بأس به. اهـ. وهذا الحديث أخرجه ابن عدي في ترجمة يحيى بن نصر ثم إنه يشهد له ما تقدم من حديث أبي هريرة. الجرح والتعديل (٩/ ١٩٣) الميزان (٤/ ٤١٢) الكامل (٧/ ٢٧٠٢).
[ ١٧ ]
وأبي مسعود (١)،
وأبي أيوب (٢) ﵃.
ووجه الدلالة أن المراد بالحق الوجوب بدليل رواية مسلم وأبي داود.
_________________
(١) حديث أبي مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «أربع للمسلم على المسلم: أن يعوده إذا مرض، ويشهده إذا مات، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس». أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٠٩ رقم ٩٢٦) وابن ماجة في السنن (١/ ٤٦١ رقم ١٤٣٤) كتاب الجنائز، باب ما جاء في عيادة المريض، وأحمد في المسند (٥/ ٢٧٣) وابن حبان في صحيحه (١/ ٤٧٥ رقم ٢٤٠) كتاب الإيمان، باب ذكر البيان بأن المصطفى - ﷺ - لم يرد بهذا العدد المذكور نفيًا عما وراءه، وبحشل في تاريخ واسط (٢١٧) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٩) كلهم من طريق عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن حكيم بن أفلح عن أبي مسعود به. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٤٦٢): هذا إسناده صحيح. وفي هذا التصحيح نظر وذلك لأن فيه حكيم بن أفلح. قال الذهبي في الميزان (١/ ٥٣٨): تفرد عنه والده عبد الحميد بن جعفر. وقال الحافظ في التقريب (١٧٦): مقبول. لكن يشهد له ما سبق من حديث البراء وأبي هريرة.
(٢) حديث أبي أيوب أخرجه البخاري في الأدب المفرد واللفظ له (٣٠٨ رقم ٩٢٥) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٨/ ٣١ رقم ٣٠٣٤) وأحمد بن منيع كما في المطالب العالية (٢/ ٣٢٥ رقم ٢٣٨٤) من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي قال حدثني أبي أنهم كانوا في غزاة في البحر زمن معاوية فانضم مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصاري فلما حضر غداؤنا أرسلنا إليه فأتانا فقال: دعوتموني وأنا صائم فلم يكن لي بد من أن أجيبكم لأني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن للمسلم على أخيه المسلم ست خصال واجبة إن ترك منها شيئًا فقد ترك حقًا واجبًا لأخيه عليه: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مريض، ويحضره إذا مات، وينصحه إذا استنصحه». وسنده ضعيف لضعف الأفريقي لكن يشهد له بالجملة حديث أبي هريرة وغيره، لكن بدون قوله «إن ترك منها شيئًا فقد ترك حقًا واجبًا لأخيه عليه» وكذا قول أبي أيوب.
[ ١٨ ]
قال الحافظ: «وقد تبين أن معنى الحق هنا الوجوب خلافًا لقول ابن بطال: المراد حق الحرمة والصحبة والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية» (١).
وحديث أبي أيوب نص في الوجوب لو صح لكنه ضعيف.
٥ - حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من دعاكم فأجيبوه». أخرجه الطبراني (٢) من طريق محمد بن عبد الله العرزمي عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة.
قال الهيثمي: وفيه محمد بن عبيد الله العرزمي وهو ضعيف (٣).
وفيه أيضًا عن علي بن يزيد: ضعيف (٤).
ووجه الدلالة ظاهرة كالدليل الثاني:
٦ - حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين».
أخرجه أحمد (٥)، وابن أبي شيبة (٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٧)، والبزار (٨)،
_________________
(١) الفتح (٣/ ١١٣).
(٢) في المعجم الكبير (٨/ ٢٣١ رقم ٧٩٠٤).
(٣) مجمع الزوائد (٤/ ٥٢).
(٤) التقريب (٤٠٦).
(٥) في مسنده (١/ ٤٠٤).
(٦) في مصنفه (٦/ ٥٥ رقم ٢٠٢٧) كتاب البيوع والأقضية، باب في الرجل يهدي إلى الرجل أو يبعث إليه.
(٧) (٦٨ رقم ١٥٧) باب حسن الملكة.
(٨) في مسنده كما في كشف الأستار (٢/ ٧٦ رقم ١٢٤٤) أبواب الصيد، باب إجابة الدعوة.
[ ١٩ ]
والطحاوي (١)، وابن حبان (٢)، والطبراني (٣) عن طريق الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود به.
ووجه الدلالة منه ظاهرة كالدليل الثاني: وإسناده صحيح. وأما عنعنة الأعمش فمحمولة على السماع لأن شيخه أبو وائل.
قال الذهبي وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به فمتى قال: (حدثنا) فلا كلام، ومتى قال: (عن) تطرق إليه احتمال التدليس إلا عن شيوخ أكثر عنهم كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال (٤) وذكره الحافظ في كتابه تعريف أهل التقديس في المرتبة الثانية من المدلسين (٥).
وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح (٦).
_________________
(١) في شرح مشكل الآثار (٨/ ٢٩ رقم ٣٠٣١) باب مشكل ما روى عن النبي - ﷺ - في الطعام الذي يجب على من دعي عليه إتيانه.
(٢) في صحيحه - الإحسان (١٢/ ٤١٨ رقم ٥٦٠٣) كتاب الحظر والإباحة، باب ذكر الزجر عن ضرب المسلمين كافة إلا ما يبيحه الكتاب والسنة.
(٣) في المعجم الكبير (١٠/ ٢٤٢ برقم ١٠٤٤٤).
(٤) الميزان (٢/ ٢٢٤).
(٥) (٦٧).
(٦) مجمع الزوائد (٤/ ٥٢).
[ ٢٠ ]
٧ - حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم».
أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣) من طرق عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر ﵁ به.
وأخرجه ابن ماجة (٤) من طريق أحمد بن يوسف السلمي ثنا أبو عاصم أنبأنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ به، وزاد «وهو صائم» ورجال إسناده ثقات لكن أبا الزبير عنعنه وهو مدلس.
ورواه ابن نمير كما عند مسلم ويزيد بن سنان كما عند الطحاوي (٥) وعمرو بن علي بن بحر كما عند ابن حبان (٦) كلهم عن أبي عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير به بدون هذه الزيادة، وأبو الزبير صرح بالتحديث عند الطحاوي، فهؤلاء الثلاثة خالفوا أحمد بن يوسف السلمي فلم يذكروا هذه الزيادة مع ما فيها من عنعنة أبي الزبير، وكذلك رواه سفيان عن أبي الزبير بدونها كما عند مسلم وغيره.
_________________
(١) في صحيحه (٢/ ١٠٥٤ رقم ١٤٣٠) كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوته.
(٢) في سننه (٤/ ١٢٤ رقم ٣٧٤٠) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في إجابة الدعوة.
(٣) في الكبرى (٢/ ١٤٠ رقم ٦٦١٠) كتاب الوليمة، باب إجابة الدعوة وإن لم يأكل.
(٤) في سننه ٠١/ ٥٥٧ رقم ١٧٥١) كتاب الصيام، باب من دعى إلى طعام وهو صائم.
(٥) في المشكل (٨/ ٢٨ رقم ٣٠٣٠).
(٦) في صحيحه - الإحسان - (١٢/ ١١٥ رقم ٥٣٠٣).
[ ٢١ ]
وفي الباب عن أبي هريرة (١)، وابن مسعود (٢).
ووجه الدلالة أن هذا أمر والأصل في الأمر الوجوب.
٨ - عن عكرمة بن عمار سمعت أبا غادية اليمامي قال: «أتيت المدينة فجاء رسول كثير بن الصلت فدعاهم فما قام إلا أبو هريرة وخمسة منهم أنا، فذهبوا فأكلوا ثم جاء أبو هريرة ثم قال: والله يا أهل المسجد إنكم لعصاة لأبي القاسم - ﷺ -».
أخرجه أحمد (٣) من طريق روح عن عكرمة به، وفي سنده أبو غادية
_________________
(١) حديث أبي هريرة أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ١٠٥٤ رقم ١٤٣١) كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، وأبو داود في السنن (٢/ ٨٢٨ رقم ٢٤٦٠) كتاب الصيام، باب في الصائم يدعى إلى وليمة، والترمذي في السنن (٣/ ١٤١ رقم ٧٨٠) كتاب الصوم، باب ما جاء في إجابة الصائم الدعوة كلهم من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دعى أحدكم فليجب فإن كان صائمًا فليصل وإن كان مفطرًا فليطعم».
(٢) حديث ابن مسعود أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٢٦٩ رقم ٣٠٠) باب ما يقول إذا دعي وكان صائمًا، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٨٥ رقم ١٠٥٦٣) وابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٣٠ رقم ٤٨٩) باب ما يقول إذا حضر الطعام وهو صائم من طريق شعبة عن أبي جعفر الفراء عن عبد الله بن شداد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرًا فليأكل وإن كان صائمًا فليدع بالبركة». وسنده صحيح ويشهد له ما سبق من حديث أبي هريرة. وأخرجه أبو القاسم البغوي في الجعديات (١/ ٢٦٢ رقم ٨٧٤) وفي المسند (١/ ٤٧٦ رقم ٨٩٨) عن شعبة عن أبي جعفر الفراء قال: عملت طعامًا فدعوت عبد الله بن شداد بن الهاد فجاء وهو صائم ثم قال: إن رسول الله - ﷺ - قال به مرسلًا. ولكن هذا لا يؤثر في وصله فقد رواه ابن منيع عن علي بن الجعد عن شعبة به موصولًا، وتابع علي بن الجعد على وصله عن شعبة يحيى بن أبي كثير كما عند ابن السني.
(٣) في مسنده (٢/ ٢٨٩).
[ ٢٢ ]
مجهول كما قال الحافظ (١).
ووجه الدلالة ظاهر حيث سمى من لم يجب عاصيًا.
٩ - حديث عياض بن أشرس السلمي قال: رأيت يعلى بن مرة دعوته إلى مأدبة فقعد صائمًا فجعل الناس يأكلون ولا يطعم فقلت له: والله لو علمنا أنك صائم ما عتبناك قال: لا تقولوا ذلك فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أجب أخاك فإنك منه على اثنتين إما خير فأحق ما شهدته، وإما غيره فتنهاه عنه وتأمره بالخير».
أخرجه الطبراني (٢) من طريق عمر بن عبد الله بن يعلى عن عياض به.
قال الهيثمي: وفيه عمر بن عبد الله بن يعلى وهو ضعيف (٣).
ووجه الدلالة منه أن النبي - ﷺ - أمر بإجابة الدعوة.
قال الشوكاني: والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها من الوجوب ولجعل الذي لم يجب عاصيًا، وهذا في وليمة النكاح في غاية الظهور، وأما في غيرها من الولائم الآتية فإن صدق عليها اسم الوليمة شرعًا كما سلف في أول الباب كانت الإجابة إليها واجبة
وقال أيضًا: ولكن الحق ما ذهب إليه الأولون يعني القول بالوجوب (٤).