هذه المسألة لا تخلو من صورتين:
الأولى: أن يعلم بالمنكر قبل مجيئه إلى مكان الدعوة.
الثانية: أن لا يعلم بالمنكر حتى حضر إلى مكان الدعوة.
فأما الصورة الأولى وهي إذا كان يعلم بالمنكر قبل مجيئه فهذه الصورة لا تخلو من أحوال:
الأولى: أن يكون قادرًا على إزالة المنكر.
الثانية: أن يكون غير قادر على إزالة المنكر.
الثالثة: أن لا يتحقق إزالة المنكر.
فأما الحالة الأولى إذا كان قادرًا على إزالة المنكر، ففي هذه الحالة ثلاثة أقوال لأهل العلم:
_________________
(١) لم أجد هذا الأثر في كتاب الزهد للإمام أحمد ﵀.
(٢) في الفتح (٩/ ٢٤٩).
(٣) انظر في ذلك: المغني (٧/ ٥، ٦، ٨) عارضة الأحوذي (٥/ ٧) الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام (٤٢) طرح التثريب (٧/ ٧٤) الفتح (٩/ ٢٥٠).
[ ٨٤ ]
القول الأول: وجوب الإجابة كما قاله ابن قدامة (١) والعراقي (٢) لأنه يؤدي فرضين إجابة أخيه وإزالة المنكر.
القول الثاني: تحريم الإجابة كما حكاه شيخ الإسلام (٣) ابن تيمية عن عبد القادر.
القول الثالث: التخيير وقد حكى ابن العربي (٤) الاتفاق على أنه إذا رأى منكرًا أو خاف أن يراه أنه لا يجيب.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والأقيس بكلام الإمام أحمد في التخيير عند المنكر المعلوم غير المحسوس أن يتخير بينهما أيضًا، وإن كان الترك أشبه بكلامه لزوال المفسدة بالحضور والإنكار لكن لا يجب لما فيه تكليف الإنكار ولأن الداعي أسقط حرمته باتخاذ المنكر، ونظير هذا إذ مر بمتلبس بمعصية هل يسلم عليه أو يترك التسليم؟ (٥).
الحالة الثانية: أن يكون غير قادر على إزالة المنكر.
في هذه الحالة إذا كان غير قادر على إزالة المنكر فإنه لا يحضر كما قاله ابن قدامة (٦) وغيره، وحكى العراقي (٧) والحافظ ابن حجر (٨) في ذلك وجهين (٩):
_________________
(١) المغني (٧/ ٥).
(٢) طرح التثريب (٧/ ٧٤).
(٣) الاختيارات (٢٤٢).
(٤) عارضة الأحوذي (٥/ ٧).
(٥) الاختيارات (٢٤٢).
(٦) المغني (٧/ ٥).
(٧) طرح التثريب (٧/ ٧٤).
(٨) في الفتح (٩/ ٢٥٠).
(٩) أي للشافعية.
[ ٨٥ ]
أحدهما: الأول لا يحضر ويجوز أن يحضر ولا يستمع وينكر بقلبه كما لو كان يضرب المنكر في جواره فلا يلزمه التحول وإن بلغه الصوت، وعلى ذلك جرى العراقيون كما قال الرافعي أو بعضهم كما قال النووي، وحكاه البيهقي عن أصحابنا وهو ظاهر نص الشافعي ﵀ في الأم والمختصر.
وحكي (١) عن أبي حنيفة: ابتليت بهذا مرة وهذا لأن إجابة الدعوة سنة فلا يتركها لما اقترنت من البدعة من غيره، قال: وهذا إذا لم يكن مقتدى فإن كان ولم يقدر على منعهم يخرج ولا يقعد لأن في ذلك شين الدين وفتح باب المعصية على المسلمين.
والمحكي عن أبي حنيفة قبل أن يصير مقتدىً ولو كان ذلك على المائدة لا ينبغي أن يقعد، وإن لم يكن مقتدى لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
قال: وهذا كله بعد الحضور ولو علم قبل الحضور لا يحضر لأنه لم يلزمه حق الدعوة بخلاف ما إذا هجم عليه لأنه قد لزمه. انتهى (٢).
الوجه الثاني: لأصحابنا أنه يحرم الحضور لأنه كالرضا بالمنكر وإقراره، وبه قال المراوزة وهو الصحيح.
وإذا قلنا به فلم يعلم حتى حضر نهاهم، فإن لم ينتهوا فليخرج، والأصح تحريم القعود إلا أن لا يمكنه الخروج بأن كان في الليل وخاف فيقعد كارها ولا يستمع، وعلى هذا الوجه الثاني جرى الحنابلة قالوا: فإن علم بالمنكر ولم يره ولم يسمعه فله الجلوس، وكذا اعتبر المالكية في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك منكر. ا. هـ.
_________________
(١) القائل هو صاحب الهداية.
(٢) أي صاحب الهداية.
[ ٨٦ ]
والأظهر في هذه الحالة عدم الحضور إذا كان غير قادر على الإنكار لعموم الأدلة السابقة في هذا الباب.
الحالة الثالثة: أن لا يتحقق إزالة المنكر
ففي هذه الحالة لا تلزم الإجابة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: وإن خافوا يأتوا بالمحرم ولم يغلب على ظنهم أحد الطرفين فقد تعارض الموجب - وهو الدعوة - والمبيح - وهو خوف شهود الخطيئة فينبغي أن لا يجيب لأن الموجب لم يسلم من المعارض المساوي ولا يحرم لأن المحرم كذلك، فينتفي الوجوب والتحريم ويبقى الجواز.
ونصوص الإمام أحمد كلها تدل على المنع من اللبث في المكان المضر (١).
الصورة الثانية: أن لا يعلم بالمنكر حتى حر مكان الدعوة.
في هذه الصورة إذا لم يعلم بالمنكر حتى حضر فإنه يزيله فإن لم يقدر انصرف كما قاله ابن قدامة (٢).
وقال الحافظ ابن حجر: فإن لم يعلم حتى حضر فلينههم، فإن لم ينتهوا فليخرج إلا إن خاف على نفسه من ذلك وعلى ذلك جرى الحنابلة وكذا اعتبر المالكية في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك منكر، وإن كان من أهل الهيئة لا ينبغي له أن يحضر موضعا فيه لهو أصلا، حكاه ابن بطال وغيره عن مالك (٣).
وقال العراقي: إذا لم يعلم حتى حضر نهاهم فإن لم ينتهوا فليخرج، والأصح تحريم القعود إلا أن لا يمكنه الخروج بأن كان في الليل وخاف فيقعد كارها
_________________
(١) الاختيارات (٢٤٢).
(٢) المغني (٧/ ٥).
(٣) الفتح (٩/ ٢٥٠).
[ ٨٧ ]
ولا يستمع، وعلى هذا الوجه الثاني جرى الحنابلة قالوا: فإن علم بالمنكر ولم يره ولم يسمعه فله الجلوس (١).
وقال ابن عبد البر: قال مالك وابن القاسم: أما اللهو الخفيف مثل الدف فلا يرجع، وقال أصبغ: أرى أن يرجع، قال: وقد أخبرني ابن وهب عن مالك أنه لا ينبغي لذوي الهيئة أن يحضر موضعًا فيه لعب، ثم حكى ابن عبد البر الفرق بين المقتدى به وغيره عن محمد بن الحسن والأصل في هذا الباب امتناعه - ﷺ - من دخول بيته لما رأى فيه نمرقة فيها تصاوير، وهو في الصحيح من حديث عائشة وبوب عليه البخاري «باب هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة» قال ورأى ابن مسعود صورة في البيت فرجع، ودعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت سترًا على الجدار، فقال ابن عمر: غلبنا عليه النساء فقال: من كنت أخشى فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعامًا فرجع (٢) (٣).
وبناء على هذا فإنه ينكر المنكر فإن لم يستطع ينصرف ولا يبقى، والأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب تدل على ذلك والله أعلم.