قبل الشروع في بيان حكم هذه المسألة أود أن أورد كلام أهل العلم في حكم اتخاذ الستور في البيت.
_________________
(١) طرح التثريب (٧/ ٧٤).
(٢) وتقدم تخريج هذه الأحاديث والآثار في هذا الشرط.
(٣) التمهيد (١٠/ ١٨٠).
[ ٨٨ ]
اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:
القول الأول: تحريم اتخاذ الستور في البيت حكاه النووي (١) والحافظ (٢) عن الشيخ أبي نصر المقدسي من الشافعية.
دليل هذا القول:
١ - ما أخرجه مسلم (٣) من حديث عائشة ﵂ قالت: رأيته خرج في غزاته، فأخذت نمطا فسترته على الباب، فلما قدم فرأى النمط عرفت الكراهية في وجهه فجذبه حتى هتكه أو قطعه وقال: «إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين» قالت: فقطعنا منه وسادتين وحشوتها ليفا فلم يعب ذلك على.
والهتك والقطع يدل على المنع.
٢ - حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تستروا الجدر».
أخرجه أبو داود (٤) وسنده ضعيف كما قاله ابن الملقن (٥) والحافظ ابن حجر (٦).
_________________
(١) شرح مسلم للنووي (١٤/ ٧٦).
(٢) الفتح (٩/ ٢٥٠).
(٣) في صحيحه (٣/ ١٦٦٦ رقم ٢١٠٧) كتاب اللباس، باب الزينة تحريم تصوير صورة الحيوان
(٤) في سننه (٢/ ١٦٣ رقم ١٤٨٥) كتاب الصلاة، باب الدعاء.
(٥) البدر المنير (٢ لوحة ٢٢٣/ ب).
(٦) الفتح (٩/ ٢٥٠).
[ ٨٩ ]
قال الحافظ: وله شاهد مرسل عن علي بن الحسين أخرجه ابن وهب ثم البيهقي (١) من طريقه.
وعند سعيد بن منصور من حديث سلمان موقوفًا «أنه أنكر ستر البيوت وقال: أمحموم بيتكم أو تحولت الكعبة عندكم؟! لا أدخله حتى يهتك» اهـ.
٣ - أثر أبي أيوب مع ابن عمر وقوله له: «لا أطعم لكم طعامًا ولا أدخل لكم بيتًا ثم خرج» وتقدم قريبًا (٢).
القول الثاني: كراهية اتخاذ الستور في البيت.
وهذا قول جمهور أهل العلم (٣) واحتجوا:
١ - ما أخرجه البيهقي (٤) بسند صحيح عن عبد الله بن يزيد الخطمي أنه دعي إلى طعام فرأى البيت منجدًا فقعد خارجًا وبكى. وقيل له ما يبكيك؟ قال إن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا قد رقع بردة له بقطعة أدم فقال: «تطالعت عليكم الدنيا ثلاثا ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى، ويغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة؟ قال عبد الله: أفلا أبكي وقد بقيت حتى رأيتكم تسترون بيوتكم كما تستر الكعبة».
٢ - استدلوا أيضًا بأدلة القول الأول وأنها محمولة على الكراهة.
_________________
(١) في سننه (٧/ ٢٧٢) كتاب الصداق، باب ما جاء في تستير المنازل من طريق ابن وهب أخبرني سفيان الثوري عن حكيم بن جبير عن علي بن حسين أن النبي - ﷺ - نهى أن تستر الجدر. وقال عقبه هذا منقطع.
(٢) رقم (٧) في هذا الشرط
(٣) المغني (٧/ ٩) شرح مسلم (١٤/ ٨٦) الفتح (٩/ ٢٥٠).
(٤) في سننه (٧/ ٢٧٢) كتاب الصداق، باب ما جاء في تستير المنازل من طريق عفان عن حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي عن محمد بن كعب قال: دعي عبد الله بن يزيد به.
[ ٩٠ ]
القول الثالث: التفصيل إذا كان الستر ليس فيه صور ولحاجة من وقاية حر أو برد فلا بأس لأنه أشبه بالستر على الباب وما يلبسه.
وإن كان لغير حاجة فهو مكروه قاله ابن قدامة.
واستدلوا بعموم الأدلة السابقة.
المناقشة:
نوقشت أدلة أصحاب القول الأول: أما حديث عائشة فإن سبب الهتك هو ما فيه من الصور كما ورد ذلك في بعض الروايات في الصحيح.
قال النووي في شرح هذا الحديث: وقد صرحت الروايات المذكورات بعد هذه بأن هذا النمط كان فيه صورة الخيل ذوات الأجنحة، وأنه كان فيه صورة وأما قوله حين جذب النمط وأزاله: «إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين» فاستدلوا به على أنه يمنع ستر الحيطان وتنجيد البيوت وهو منع كراهية تنزيه لا تحريم هذا هو الصحيح.
وقال الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي من أصحابنا: هو حرام، وليس في هذا الحديث ما يقتضي تحريمه لأن حقيقة اللفظ أن الله تعالى لم يأمرنا بذلك، وهذا يقتضي أنه ليس بواجب ولا مندوب ولا يقتضي التحريم والله أعلم (١).
ونقل الحافظ (٢) عن البيهقي أنه قال: هذه اللفظة تدل على كراهية ستر الجدران، وإن كان في بعض الألفاظ إن المنع كان بسبب المصور وقال غيره:
_________________
(١) شرح مسلم (١٤/ ٨٦).
(٢) في الفتح (٩/ ٢٤٩).
[ ٩١ ]
ليس في السياق ما يدل على التحريم، وإنما فيه نفي الأمر لذلك، ونفي الأمر لا يستلزم ثبوت النهي، لكن يمكن أن يحتج بفعله - ﷺ - في هتكه (١).
وأما حديث عبد الله بن عباس وشاهده فضعيفان.
وأما أثر أبي أيوب مع ابن عمر فليس صريحًا في التحريم بل استدل بفعل ابن عمر على الجواز.
قال ابن قدامة عقب ذكره للأحاديث في هذا الباب: إذا ثبت هذا فإن ستر الحيطان مكروه غير محرم، وهذا مذهب الشافعي إذ لم يثبت في تحريمه دليل، وقد فعله ابن عمر في زمن الصحابة ﵁، وإنما كره لما فيه من السرف والزيادة في الملبوس والمأكول، وقد قيل هو محرم للنهي عنه، والأول أولى فإن النهي لم يثبت ولو ثبت لحمل على الكراهة لما ذكرنا (٢).
الترجيح:
الأظهر والله أعلم القول الثالث وهو التفصيل، وهو إن كانت الستور لحاجة فلا بأس بها، وإن كانت لغير حاجة فهي مكروهة لعموم الأدلة الواردة في هذا الباب، وأما حديث عائشة فليس صريحًا في أن الهتك بسبب الستر وإنما كان بسبب الصورة وحديث ابن عباس والحسين صريحا في النهي لكن لا يصحان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: ويكره تعليق الستور على الأبواب من غير حاجة لوجود أغلاق غيرها من أبواب الخشب ونحوها، وكذلك تكرار الستور في الدهليز (٣) لغير حاجة فإن ما زاد على الحاجة فهو سرف وهل يرتقى إلى التحريم؟ محل نظر (٤).
_________________
(١) سنن البيهقي (٧/ ٢٧٢).
(٢) المغني الجزء السابع ص٩.
(٣) الدهليز: هو الدِّليج فارسي معرب، وهو ما بين الباب والدار. اللسان (٥/ ٣٤٩).
(٤) الاختبارات (٢٤٤).
[ ٩٢ ]
حكم إجابة الدعوة إذا كان في البيت ستور:
أما حكم الإجابة إلى الدعوة إذا كان في البيت ستور فلا تخلو من أحوال:
الأولى: أن تكون الستور لحاجة ولم تشتمل على محرم فهذه لا تمنع الإجابة.
الثانية: أن تكون لغير حاجة واشتملت على محرم ككونها من حرير أو فيها صور فهذا حكمه حكم الدعوة التي اشتملت على منكر وسبق تفصيل ذلك.
الثالثة: أن تكون لغير حاجة ولم تشتمل على منكر فهذا يرجع إلى الخلاف في حكم الستور في هذه الحالة فمن رأى التحريم فإن حكم الإجابة إلى الدعوة التي فيها منكر كما تقدم.
ومن رأى الكراهة فحكمه الكراهية.
قال الحافظ ابن حجر: وإن كان مما يكره كراهة تنزيه فلا يخفى الورع، ثم قال ومما يؤيد ذلك ما وقع في قصة ابن عمر من اختلاف الصحابة في دخول البيت الذي سترت جدره ولو كان حرامًا ما قعد الذين قعدوا، ولا فعله ابن عمر، فيحمل فعل أبي أيوب على كراهة التنزيه جمعا بين الفعلين، ويحتمل أن يكون أبو أيوب كان يرى التحريم والذين لم ينكروا يرون الإباحة (١).