الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من ثلاثة في قرية، ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة (١) إلا قد استحوذ عليهم الشيطان (٢)، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» (٣). قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة (٤)، فقد أخبر النبي - ﷺ - باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي شعارها الأذان، وإقامة الصلاة، ولو كانت الجماعة ندبًا يخير الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها (٥).
١١ - تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي صلاة الجماعة إلاَّ لأمرٍ لا بدّ منه؛ لحديث أبي الشعثاء قال: كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة - ﵁ - فَأَذَّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة - ﵁ -: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -» (٦). فقد جعله أبو هريرة - ﵁ - عاصيًا لرسول الله - ﷺ - بخروجه بعد الأذان؛ لتركه الصلاة جماعة (٧).
قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى-: «فيه كراهة الخروج من المسجد
_________________
(١) لا تقام فيهم الصلاة: أي جماعة. عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعظيم آبادي، ٢/ ٢٥١.
(٢) استحوذ عليهم الشيطان: أي غلبهم وحولهم إليه، عون المعبود شرح سنن أبي داود، ٢/ ٢٥١.
(٣) فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، أي إن الشيطان يتسلط على الخارج عن الجماعة. انظر: عون المعبود، ٢/ ٢٥١.
(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة، برقم ٥٤٧، والنسائي، كتاب الإمامة، باب التشديد في ترك الجماعة، برقم ٨٤٧، وأحمد، ٦/ ٤٤٦،والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٤٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ١٠٩،وفي صحيح سنن النسائي،١١/ ١٨٢.
(٥) انظر: كتاب الصلاة، لابن القيم، ص٨٠.
(٦) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن، برقم ٦٥٥.
(٧) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم، ص٨١.
[ ٤٥ ]
بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر والله أعلم» (١). وقد جاء النهي صريحًا، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: أمرنا رسول الله - ﷺ -: «إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي» (٢). وعنه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق» (٣).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀- يذكر أنه لا يجوز الخروج من المسجد الذي أذن فيه، إلا لعذر: كأن يريد الوضوء أو يصلي في مسجد آخر.
قلت: قال الترمذي - ﵀-: «وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، ومن بعدهم، أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، أو يكون على غير وضوء، أو أمرٌ لا بد منه» (٤).
وذكر المباركفوري - ﵀-: أن الحديث يدل على أنه لا يجوز الخروج من المسجد، بعدما أذن فيه، إلا للضرورة، كمن كان جنبًا، أو عليه حدث أصغر، أو الذي حصل له رعاف، أو الحاقن، ونحوهم، وكذا من يكون إمامًا لمسجد آخر، ومن في معناه (٥).
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٦٣.
(٢) أخرجه أحمد في المسند،٢/ ٥٣٧،قال الهيثمي في مجمع الزوائد،٢/ ٥: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح».
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين، ٢/ ٢٢، برقم ٦٤٣]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ٥: «رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح».
(٤) سنن الترمذي، تاب الصلاة، باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن، بعد الحديث رقم ٢٠٤.
(٥) انظر: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للمباركفوري، ٢/ ٦٠٧.
[ ٤٦ ]