كم ممن يسير وقد يكون جادًا في سَيْره لكنه لا يبالي بمعالم الطريق وإنما هِمته منصرفة إلى أن يسير لا كيف يسير، وهذا الصنف عُرْضة لكل آفة حيث أن الطريق محفوف بالأخطار والقُطّاع.
قال ابن القيم ﵀: وأما الاستقصاء في رؤية علل الأعمال فهو التفتيش عما يشوبها من حظوظ النفس وتمييز حق الرب منها من حظ النفس ولعل أكثرها أو كلها أن تكون حظًا لنفسك وأنت لا تشعر.
فلا إله إلا الله، كم في النفوس من عِلل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة وأن تصل إليه.
وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر البتة وهو غير خالص لله، ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقًا وهو خالص لوجه الله، ولا يميز هذا إلا أهل البصائر وأطبّاء القلوب العالمون بأدوائها وعِللها.
[ ١٨٥ ]
فبين العمل وبين القلب مسافة وفي تلك المسافة قُطّاع تمنع وصول العمل إلى القلب، فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء ولا زهد في الدنيا ولا رغبة في الآخرة، ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحق والباطل، فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق، ورأى الحق والباطل، وميّز بين أولياء الله وأعدائه، وأوجب له ذلك المزيد من الأحوال.
ثم بين القلب وبين الرب مسافة وعليها قُطّاع تمنع وصول العمل إليه من كبر وإعجاب وإدْلال ورؤية عمل ونسيان المنّة وغير ذلك. إنتهى.
تأمل هذا الكلام النفيس وقوله فيه: (ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحق والباطل) وانظر أحوالنا وضعف الفرقان أو عدمه بين أولياء الله وأعدائه والتباس الحق بالباطل تعرف أن الفرقان الديني كاد أن يتلاشى ويضمحل من قلوب أكثر الخلق فيُخشى علينا من الأمرين جميعًا، ما بين العمل وبين القلب، وما بين القلب وبين الرب، وأين من يفقه قبل أن يقال: أين من يتفقد؟
إن الفقه في دين الله يوجب حالًا للعبد خاصة لا يرضاها أكثر الناس بل وينكرونها.
[ ١٨٦ ]
قال بعض السلف: لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله ثم ترجع إلى نفسك فتكون لها أشد مقتًا (١) قال ابن القيم في شرح هذه العبارة:
وهذا الكلام لا يفقه معناه إلا الفقيه في دين الله فإن من شهد حقيقة الخلق وعجزهم وضعفهم وتقصيرهم بل تفريطهم وإضاعتهم لِحق الله وإقبالهم على غيره، وبيعهم حظهم من الله بأبخس الثمن من هذا العاجل الفاني لم يجد بدًا من مقتهم، ولا يمكنه غير ذلك ألبتة.
ولكن إذا رجع إلى نفسه وحاله وتقصيره وكان على بصيرة من ذلك كان لنفسه أشد مقتًا واستهانة، فهذا هو الفقيه.
_________________
(١) - تقدم هذا وأنه من كلام أبي الدرداء ﵁.
[ ١٨٧ ]