قد تتطلّع بعض النفوس الجاهلة إلى حصول كرامة من الكرامات بما يخرق العادة المطّردة في السنن الكونية، فهذا للنفوس فيه تعلّق كبير.
وإنما ينبني هذا التطلع على أمرين:
أحدهما: جهل العبد بربه وبنفسه، ولو عرف ربه ونفسه كما ينبغي لم يخطر بباله مثل هذا فضلًا عن أن يطلبه أو يتعرض له، وفي هذا الكتاب بعض التعريفات بهذين الأصلين العظيمين مما يجعل العبد الموفق يستحيي من ربه بل ويخاف أن يخطر بباله مثل هذا لِعلمه بعظم حق الله عليه وأنه لا يقدر على تأديته ولعلمه بنفسه الظلومة الجهولة كيف واللفظ نفسه يُفْهم معنى التكريم بالخارق ومن رأى أنه يستحق التكريم من ربه فهو جاهل بربه وبنفسه، قد لبس من الإعجاب إزارًا ورداءًا.
الثاني: تعظيم شأن الكرامة ومن تحصل له أو تجري على يديه وهذا جهل أيضًا لأنها قد تحصل لمن هو أضعف إيماناُ ممن لم تحصل له
[ ٢٠٣ ]
ويشبه هذا من بعض الوجوه إعطاء النبي ﷺ المال الكثير لقوم إيمانهم ضعيف يتألّف قلوبهم مع أن من لم يعطهم أو يعطيهم عطاء أقلّ من أولئك أحب إليه لقوة إيمانهم.
والمراد هنا أن الكمال انصراف القلب عن التطلّع لمثل التصرف في الكوْنيات على ما يخالف العادات.
وقد يحصل لمن يُبتلى بذلك من الإعجاب بنفسه وظنه أنه أهل لذلك لِخير في نفسه يستحق به ذلك ما يفسد عمله، وقد يحطّه كثيرًا عن مقام الإستقامة فحسبك بالإعجاب ورؤية النفس شرًا.
ولذلك فإن العارفين بالله لا يطمئنون لمثل ذلك لو حصل لهم فضلًا عن أن يطلبوه، وبعضهم يدعو الله بزوال ذلك خشية فساد قلبه ومعاملته مع ربه.
وقد بقي شيء واحد؛ وهو أن تطلّع النفس لخرق عادة في الهداية الخاصة والعامة فاعلم أن هذا مقام الأنبياء ﵈ وأتباعهم على الحقيقة ومفتاح هذا التوكل الصادق مع الإستقامة، فإن القلوب ليس يتصرف فيها غير خالقها فهو مقلبها من ضلال إلى هدى ومن هدى إلى ضلال.
[ ٢٠٤ ]
قال شيخ الإسلام ﵀: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة. انتهى.
فتأمل حسن التطلّع والتشوّق وكمال الإرادة، فالكرامة لزوم الإستقامة حتى الموت وهي أعظم منّة الله على عبده وأجلّ نعمه عليه.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ).
قال عمر ﵁: الإستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ رَوَغان الثعالب.
قال ابن القيم: فالإستقامة كلمة جامعة آخذه بمجامع الدين وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد، والإستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، فالإستقامة فيها وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله.
يريد بوقوعها لله: الإخلاص، وبالله الإستعانة وعلى أمر الله لزوم الشريعة.
[ ٢٠٥ ]
قال بعض العارفين: كن صاحب الإستقامة لا طالب الكرامة فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة وربك يطالبك بالإستقامة. إنتهى.
والموصل للإستقامة شيئان ذكرهما شيخ الإسلام، وهما:
أحدهما: حراسة الخواطر وحفظها من الأفكار والإرادات الضارة حياء من الله وإجلالًا له وخوفًا من سقوطه من عينه وحذرًا من تولّد الخواطر بالشرور.
والثاني: إشغال القلب بخواطر الإيمان التي هي أصل الخير ومادته من المحبة والإنابة والتوكل ومحبة الخير للمسلمين ونحوها.
ومن أبلغ ما تحصل به الإستقامة صدق التأهّب للقاء الله إنتهى.
ومن أعظم ما يعين بإذن الله على حراسة الخواطر وحفظها من الأفكار والإرادات الضارة غض البصر عن الصور الفاتنة ففي ذلك من النفع ما لا يُقدّر كما أن في إطلاق النظر من الضرر ما لا يُقدّر فالحذر الحذر من مكامن الخطر.
[ ٢٠٦ ]