قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).
ذكر ابن القيم ﵀ أن المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ، قال: فإن من أعرض عن ذكره الذي أنزله فله من ضيق الصدر ونكد العيش وكثرة الخوف وشدة الحرص والتعب على الدنيا والتحسّر على فواتها قبل حصولها وبعد حصولها والآلام التي في خلال ذلك ما لا يُشعر به القلب لسكرته وانغماسه في السكر. انتهى.
أنظر كيف كانت هذه الآلام وحصلت والقلب لا يُشعر بها لسكرته وليست هذه سكرة الخمر وإنما هي سكرة حب الدنيا واتباع الهوى والمعاصي والغفلة عن الله والدار الآخرة والجهل بحق الله على عبده، وقد يصحب هذه الآفات سكر الخمر ونحوه.
ثم قال: فهو لا يصحو ساعة إلا أحسّ وشعر بهذا الألم فبادر إلى إزالته بسكر ثان، فهو هكذا مدة حياته، وأي عيشة أضيق من هذه لو كان للقلب شعور؟.
[ ٢١٩ ]
فقلوب أهل البدع والمعرضين عن القرآن وأهل الغفلة عن الله وأهل المعاصي في جحيم قبل الجحيم الأكبر، وقلوب الأبرار في نعيم قبل النعيم الأكبر (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) هذا في دورهم الثلاث ليس مختصًا بالدار الآخرة، وإن كان تمامه وظهوره إنما هو في الدار الآخرة وفي البرزخ دون ذلك، وفي هذه الدار دون ما في البرزخ ولكن يمنع من الإحساس به الاستغراق في سكرة الشهوات وطرح ذلك عن القلب وعدم التفكّر فيه.
وقد جعل الله سبحانه للحسنات والطاعات آثارًا محبوبة لذيذة طيبة، لذّتها فوق لذة المعصية بأضعاف مضاعفة لا نسبة لها إليها، وجعل للسيئات والمعاصي آلامًا وآثارًا مكروهة وحزازات تُرْبي على لذة تناولها بأضعاف مضاعفة، فما حصل للعبد حال مكروهة قط إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر، فكل نقص وبلاء وشر في الدنيا والآخرة فسببه الذنوب ومخالفة أوامر الرب، فليس في العالم شر قط إلا الذنوب وموجباتها.
وآثار الحسنات والسيئات في القلوب والأبدان والأموال أمر مشهود في العالَم لا ينكره ذو عقل سليم بل يعرفه المؤمن والكافر والبر والفاجر.
[ ٢٢٠ ]
وشهود العبد هذا في نفسه وفي غيره وتأمله ومطالعته مما يقوي إيمانه بما جاءت به الرسل وبالثواب والعقاب فإن هذا عدل مشهود محسوس في هذا العالَم ومثوبات وعقوبات عاجلة دالة على ما هو أعظم منها لمن كانت له بصيرة.
فالذنوب مثل السموم مضرة بالذات، فإن تداركها من سَقْي بالأدوية المقاومة لها وإلا قَهَرَتْ القوة الإيمانية وكان الهلاك كما قال بعض السلف: (المعاصي يريد الكفر كما أن الحُمّى يريد الموت) فشهود العبد نقص حاله إذا عصى ربه وتقير القلوب عليه وجُفُولها منه واسنداد الأبواب في وجهه وتوعّر المسالك عليه وهوانه على أهل بيته وأولاده وزوجته وإخوانه وتطلّبه ذلك حتى يعلم من أين أُتي، ووقوعه على السبب الموجب لذلك مما يُقوي إيمانه.
فإن أقلع وباشر الأسباب التي تفضي به إلى ضد هذه الحال رأى العز بعد الذل والغنى بعد الفقر والسرور بعد الحزن والأمن بعد الخوف والقوة في قلبه بعد ضعفه ووهنه ازداد إيماناُ مع إيمانه فتقوة شواهد الإيمان في قلبه وبراهينه وأدلته في حال معصيته وطاعته، فهذا من الذين قال الله فيهم: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ). إنتهى.
[ ٢٢١ ]
وإليك هذا المثل الذي يوضح كلام ابن القيم السابق: بينما المسيح ﵇ في رهط من الحواريين بين نهر جار وحيّة منتنة إذ أقبل طائر حسن اللون يتلون كأنما هو الذهب فوقع قريبًا فانتفض فسلخ عنه مسكه فإذا هو أقبح شيء منظرًا، أُقَيْرع أُحَيْمر كأقبح ما يكون، فأتى بِرْكة فتلوّث في حمأتها فخرج أسودًا قبيحًا.
فاستقبل جرية الماء فاغتسل ثم عاد إلى مسلاخه فلبسه، فعاد إليه حسنه وجماله حين رجع إلى مسكه فتدرّعه كما كان أول مرة.
فكذلك عامل الخطيئة حين يخرج من دينه ويكون في الخطايا وكذلك مثل التوبة كمثل اغتساله من النِّتْن في النهر ثم راجع دينه حتى تدرّع مسكه.
فقال عيسى ﵇: إن هذا بُعث لكم آية، إن مثل هذا كمثل المؤمن إذا تلوّث في الذنوب والخطايا نُزع منه حسنه وجماله وإذا تاب إلى الله عاد إليه حسنه وجماله، وقد كتبت ما يوضح هذا في نسخة (دش ودين كيف يجتمعان؟!) والمراد هنا تأثير المعاصي والطاعات على العبد باطنًا وظاهرًا لا أن ذلك مخصوص فقط بالثواب والعقاب الأخروي.
[ ٢٢٢ ]