الرب سبحانه يعلم ما في نفوس عباده من الدعاوي والخيالات والأماني ولذلك أنزل على نبيه ﷺ من العلم ما يُبطل كل دعوى زائفة.
قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ) قال الحسن ﵀: قال قوم على عهد النبي ﷺ: إنا نحب ربنا فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الجنيد إدّعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ).
وقال مالك: من أحب طاعة الله أحبه الله وحبّبه إلى خلقه.
قال ابن القيم في الآية: يعني أن متابعة الرسول هي موافقة حبيبكم فإنه المبلغ عنه ما يحبه وما يكرهه.
وقال: وإنما كانت موافقة المحبوب دليلًا على محبته لأن من أحب حبيبًا فلا بدأن يحب ما يحبه ويبغض ما يبغضه وإلا لم يكن محبًا له محبة صادقة. إنتهى.
[ ١٣٧ ]
ولا بد من العلم هنا بأن محبته سبحانه ومحبة ما يحبه لا تحصل إلا ببغض ما يبغضه، ولما كان بغض ما يبغضه من الأعمال والأشخاص في زماننا يخالف الهوى ثَقُل على النفوس وثقل من يعمل ولو بقليل منه لأن الصدق متخلف والفتن مشتركة أيضًا، ومهما كانت الحال فملّة إبراهيم ليست تنظر بعين واحدة ولا تمشي بساق واحدة أيضًا؛ فالحب والبغض إذًا متلازمان، وهما أوثق عُرى الإيمان.
ومما يزيد المحبة وينميها تهذيب القصد وتصفيته وتجريده بأن يكون قصده وعبوديته –كما قال ابن القيم- محبة لله بلا عِلّة؛ وأن لايحب الله لما يعطيه ويحميه منه فتكون محبته لله محبة الوسائل، ومحبته بالقصد الأول لما يناله من الثواب المخلوق فهو المحبوب له بالذات بحيث إذا حصل له محبوبه [يعني الثواب المخلوق] تسلّى به عن محبة من أعطاه إياه، فإن من أحبك لأمر والاك عند حصوله ومَلْكَ عند انقضائه.
والمحب الصادق يخاف أن تكون محبته لغرض من الأغراض فتنقضي محبته عند انقضاء ذلك الغرض، وإنما مراده أن محبته تدوم لا تنقضي أبدًا، وأن لا يجعل محبوبه وسيلة له إلى غيره، بل يجعل ما سواه وسيلة له إلى محبوبه.
[ ١٣٨ ]
وهذا القَدْر هو الذي حام عليه القوم وداروا حوله وتكلموا فيه وشمروا إليه. انتهى.
قال الحسن ﵀: لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا.
قال ابن القيم ﵀: ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبة التامة عليها.
وهل مع المحبين محبة إلا من آثار صفات كماله؟ فإنهم لم يروه في هذه الدار وإنما وصل إليهم العلم بآثار صفاته وآثار صنعه فاستدلوا بما علموه على ما غاب عنهم.
فلو شاهدوه ورأوا جلاله وجماله وكماله ﷾ لكان لهم في حبه شأن آخر، وإنما تفاوت منازلهم ومراتبهم في محبته على حسب تفاوت مراتبهم في معرفته والعلم به، فأعرفهم بالله أشدهم حبًا له، ولهذا كانت رسله أعظم الناس حبًا له، والخليلان من أعظمهم حبًا، وأعرف الأمة أشدهم له حبًا.
ثم قال: وهل هُيِّئ الإنسان إلا لها؟ كما قيل:
قد هيؤوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
[ ١٣٩ ]
وهل في الوجود محبة حق غير باطلة إلا محبته سبحانه؟ فإن كل محبة متعلقة بغيره فباطله زائلة ببطلان متعلّقها.
وأما محبته سبحانه فهي الحق الذي لا يزول ولا يبطل كما لا يزول متعلقها ولا يفنى، وكل ما سوى الله باطل ومحبة الباطل باطل.
فسبحان الله كيف تُنْكَر المحبة الحق التي لا محبة أحق منها ويُعترف بوجود المحبة الباطلة المتلاشية؟.
وهل تعلقت المحبة بوجود مُحْدَث إلا لكمال في وجوده بالنسبة إلى غيره؟ وهل ذلك الكمال إلا من آثار صنع الله الذي أتقن كل شيء؟
وهل الكمال كله إلا له؟ فكل من أحب شيئًا لكمال يدعوه إلى محبته فهو دليل وعبرة على محبة الله، وأنه أولى بكمال الحب من كل شيء، ولكن إذا كانت النفوس صغارًا كانت محبوباتها على قدْرها، وأما النفوس الكبار الشريفة فإنها تبذل حبها لأجلّ الأشياء وأشرفها. إنتهى.
يريد ﵀ أن من أحب شيئًا من هذا العالم السفلي وصوره المخلوقة فإنما أحبه وانجذب قلبه إليه لما رآه فيه من جمال وكمال وما حصل ذلك منه إلا لجهله بالمحبوب الحق أو غلبة هواه مع علمه
[ ١٤٠ ]
بذلك، وهذا فعل النفوس الصغار تصيدها صُوَر المخلوقات فتوثقها وتقطها عما فُطرت عليه من السمو إلى مطلوبها الذي هو في العلو.
قال ابن القيم: ولما كانت المحبة التامة مَيْل القلب بكليته إلى المحبوب كان ذلك الميل حاملًا على طاعته وتعظيمه، وكلما كان الميل أقوى كانت الطاعة أتم والتعظيم أوفر.
وهذا الميل يُلازم الإيمان بل هو روح الإيمان ولبّه، فأي شيء يكون أعلى من أمر يتضمن أن يكون الله سبحانه أحب الأشياء إلى العبد وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة؟
وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار).
فعلّق وجود حلاوته بما هو موقوف عليه ولا يتم إلا به وهو كونه أحب الأشياء إلى العبد هو ورسوله ﷺ. انتهى.
[ ١٤١ ]