ذكر ابن القيم –﵀- أن كل عضو من أعضاء البدن خُلق لفعل خاص به، كما له في حصول ذلك الفعل منه.
ومرضه أن يتعذر عليه الفعل الذي خلق له حتى لا يصدر منه أو يصدر مع نوع من الاضطراب.
فمرض اليد: أن يتعذر عليها البطش، ومرض العين: أن يتعذر عليها النظر والرؤية، ومرض اللسان أن يتعذر عليه النطق، ومرض البدن: أن تتعذر عليه حركته الطبيعية أو يضعف عنها.
ومرض (القلب) أن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والإنابة إليه وإيثار ذلك على كل شهوة.
فلو عرف العبد كل شيء ولم يعرف ربه فكأنه لم يعرف شيئًا ولو نال كل حظ من حظوظ الدنيا ولذاتها وشهواتها ولم يظفر بمحبة الله والشوق إليه والأنس به فكأنه لم يظفر بلذة ولا نعيم ولا قرة عين.
بل إذا كان القلب خاليًا من ذلك عادت تلك الحظوظ واللذات عذابًا له ولا بد، فيصير مُعذّبًا بنفس ما كان منعمًا به من جهتين:
[ ١٦٠ ]
من جهة حسرة فوْته وأنه حيل بينه وبينه مع شدة تعلق روحه به ومن جهة فوْت ما هو خير له وأنفع وأدْوَم حيث لم يحصل له.
فالمحبوب الحاصل فات والمحبوب الأعظم لم يظفر به، وكل من عرف الله أحبه وأخلص العبادة له ولا بد ولم يؤثر عليه شيئًا من المحبوبات، فمن آثر عليه شيئًا من المحبوبات فقلبه مريض كما أن المعدة إذا اعتادت أكل الخبيث وآثرته على الطيب سقطت عنها شهوة الطيب وتعوّضت بمحبة غيره.
وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يعرف به صاحبه لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته.
وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يُوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة، فإن القلب إذا كان فيه حياة تألّم بورود القبيح عليه، وتألّم بجهله بالحق بحسب حياته، وما لجرح بميت إيلام.
ومن علامات موت القلب نسيان ذكر الله، كما قيل:
فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم فهي القبور الدوارسُ
وأزواجهم في وحشة من حبيبهم ولكنها عند الخبيث أوانس
[ ١٦١ ]
قال شيخ الإسلام: ولذة القلب وألمه أعظم من لذة الجسم وألمه، فلذلك كان مرض القلب وشفاؤه أعظم من مرض الجسم وشفائه، فكما أن الإنسان إذا صار لا يسمع بأذنه ولا يبصر بعينه ولا ينطق بلسانه كان ذلك مرضًا مؤلمًا له يفوّته من المصالح ويحصل له من المضار.
فكذلك إذا لم يسمع ولم يبصر ولم يعلم بقلبه الحق من الباطل ولم يميز بين الخير والشر والغيّ والرشاد كان ذلك من أعظم أمراض قلبه وألمه، فكذلك إذا بُلِيَ بحب من لا ينفعه العشق ونحوه سواء كان لصورة أو لرئاسة أو لمال ونحو ذلك فإن لم يحصل محبوبه ومطلوبه فهو متألم ومريض سقيم، وإن حصل محبوبه فهو أشد مرضًا وألمًا وسقمًا، ولذلك كما أن المريض إذا كان يبغض ما يحتاج إليه من الطعام والشراب كان ذلك الألم حاصلًا وكان دوامه على ذلك يوجب من الألم أكثر من ذلك حتى يقتله حتى يزول ما يوجب بغضه لما ينفعه ويحتاج إليه فهو متألم في الحال وتألّمه فيما بعد إن لم يُعافه الله أعظم وأكبر، فبغض الحاسد لنعمة الله على المحسود كبُغض المريض لأكل الأصحاء لأطعمتهم وأشربتهم حتى لا يقدر أن يراهم يأكلون، وعمى القلب وبَكَمُهُ أن يبصر الحقائق ويميّز ما ينفعه ويضرّه كعمى
[ ١٦٢ ]
الجسم وخرسه عن أن يبصر الأمور المرئية ويتكلم بها ويميّز بين ما ينفعه ويضرّه، وكما أن الضرير (١) إذا أبْصر وجد من الراحة والعافية والسرور أمرًا عظيمًا فبصر القلب ورؤيته الحقائق بينه وبين بصر الرأس من التفاوت ما لا يحصيه إلا الله، وإنما الغرض تشبيه أحد المرضَيْن بالآخر، فطب الأديان يحتذي حذو طب الأبدان.
_________________
(١) - الضرير: الأعمى.
[ ١٦٣ ]