ذكر ابن القيم ﵀: أن صلاح القلب بمحاسبة النفس وفساده بإهمالها والإسترسال معها.
ومن مصالح محاسبتها الإطلاع على عيوبها ومن لم يطالع عيب نفسه لم يمكنه إزالته.
فإذا اطّلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى، وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء ﵁ قال: (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا). انتهى.
تأمل فقه الصحابة ﵃ فإن مقت الناس في ذات الله هو من علامات صحة السلوك وليس من باب من يقول: هلك الناس وهو أهلكهم، لأن الفقيه ماقت لنفسه أعظم من مقته للناس، وذاك معجب بنفسه وبعمله، والإعجاب حجاب.
قال بكر بن عبد الله المزني: (لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غُفِر لهم لولا أني كنت فيهم).
[ ٧١ ]
وقال أيوب السختياني: (إذا ذُكر الصالحون كنت عنهم بمعزل).
ولما احتُضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب وحماد بن سلمة فقال له حماد: يا أبا عبد الله، أليس قد أمِنْتَ مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين فقال: يا أبا سلمة أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟
قال: إي والله إني لأرجو لك ذلك.
وقال يونس بن عبيد: (إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة).
قال أبو حفص [النيسابوري] (من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يُجْرها إلى مكروهها في سائر أوقاته كان مغرورًا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها).
ثم قال ابن القيم: فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء، فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة.
[ ٧٢ ]
فالنعمة التي لا خطر لها: الخروج منها والتخلص من رِقّها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالى، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها ومقتًا لها.
ثم ذكر دعاء عمر بن الخطاب ﵁: (اللهم اغفر لي ظلمي وكفري) فقال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم فما بال الكفر؟ قال: (إن الإنسان لظلوم كفار).
ثم قال ﵀: ومقت النفس في ذات الله من صفات الصّدّيقين، ويدنو العبد به من الله تعالى في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو بالعمل، وترك المحاسبة والإسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها فإن هذا يؤول به إلى الهلاك.
وهذه حال أهل الغرور، يغمض عينيه عن العواقب ويُمَشِّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مُواقعة الذنوب وأنِسَ بها، وعسر عليه فطامها.
ولو حضره رشده لعلم أن الحُمْية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد.
[ ٧٣ ]
قال الحسن: (إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من هِمَّته).
وقال ميمون بن مهران: (لا يكون العبد تقيًا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه).
ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوّان إن لم تحاسبه ذهب بمالك.
وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: (حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ومن ألْهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة).
قال مالك بن دينار: (رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمّها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله ﷿ فكان لها قائدًا).
ثم ذكر ابن القيم: أن الذي يُعين العبد على نفسه معرفته أن ربح هذه التجارة سُكْنى الفردوس والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها دخول النار والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم، فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر
[ ٧٤ ]
أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها.
فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا خطر لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، فإضاعة هذه الأنفاس أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس، وأحمقهم وأقلّهم عقلًا.
وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا). إنتهى.
ذكر ابن القيم أن توبة بن الصّمّة كان محاسبًا لنفيه، فحسب يومًا فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي إحدى وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتي ألقى ربي بإحدى وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفي كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خرّ مغشيًا عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلًا يقول: (يا لك ركْضة إلى الفردوس الأعلى).
[ ٧٥ ]