[فالأبدان هنا ظاهرة والأرواح خفية، والأبدان كالقبور لها .. والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها] (١) فتجري أحكام البرزخ على الأرواح فتسري إلى أبدانها نعيمًا أو عذابًا كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري إلى أرواحها نعيمًا أو عذابًا .. فأحِطْ بهذا الموضع علمًا واعرفه كما ينبغي يُزيل عنك كل إشكال يورَد عليك من داخل وخارج.
وقد أرانا الله بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجًا في الدنيا من حال النائم. فإن ما يُنَعّم به أو يُعذّب في نومه يجري على روحه أصلًا والبدن تبع له.
ويقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرًا مشاهدًا، فيرى النائم في نومه أنه ضُرِب فيصبح وأثر الضرب في جسمه. ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه. ويذهب عنه الجوع والظمأ.
وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويُدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك.
وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه. ولو دَخَلَتْ فيه لاستيقظ وأحسّ.
_________________
(١) - تمام هذه القاعدة فيما تحته خط في ص (٧). قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: استبدلنا الخط بـ[معكوفين]
[ ٦ ]
فإذا كانت الروح تتألم وتتنعّم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع. فهكذا في البرزخ. بل أعظم فإن تجرّد الروح هنالك أكمل وأقوى. وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الإنقطاع.
[فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهرًا باديًا أصلا.]
ومتى أعطيت هذا الموضع حقة تبين لك ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمّه، وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة مطابق للعقل وأنه حق لا مِرْيَة فيه، وأن مَنْ أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أُتِيَ كما قيل:
وكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم
وأعجب من ذلك أنك تجد النائمين في فراش واحد وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه. وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه. وليس عند أحدهما خبر بما عند الآخر.
كذلك فإن النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا ولا من زروع الدنيا فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخَضِرَها. وإنما هي من نار الآخرة وخَضِرِها. وهي أشد من نار الدنيا فلا يُحِسُّ به أهل الدنيا.
[ ٧ ]
فإن الله سبحانه يُحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه وتحته حتى يكون أعظم حرًا من جمر الدنيا، ولو مسّها أهل الدنيا لم يحسّوا بذلك.
بل أعجب من هذا أن الرجلين يُدفنان أحدهما إلى جنب الآخر وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره وذلك في روضة من رياض الجنة لا يصل رَوْحها ونعيمها إلى جاره.
وقدرة الرب أوسع وأعجب من ذلك وقد أرانا الله من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير ولكن النفوس مولَعة بالتكذيب بما لم تحط به علمًا إلا من وفقه الله وعَصَمه.
فرؤية عذاب القبر ونعيمه كرؤية الملائكة والجن تقع أحيانًا لمن شاء الله أن يريه ذلك.
والله ﷾ يُحدث في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك. فهذا جبريل كان ينزل على النبي ﷺ ويتمثل له رجلًا فيكلمه بكلام يسمعه، ومَنْ إلى جانب النبي ﷺ لا يراه ولا يسمعه، وكذلك غيره من الأنبياء.
وأحيانًا يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس ولا يسمعه غيره من الحاضرين.
[ ٨ ]
وهؤلاء الجن يتحدثون ويتكلمون بالأصوات المرتفعة بيننا ونحن لا نسمعهم، وقد كانت الملائكة تضرب الكفار بالسِّياط وتضرب رقابهم وتصيح بهم، والمسلمون معهم لا يرونهم ولا يسمعون كلامهم، والله سبحانه قد حجب بني آدم عن كثير مما يُحدثه في الأرض وهو بينهم، وقد كان جبريل يُقرئ النبي ﷺ ويُدارسه القرآن والحاضرون لا يسمعونه.
وكيف يستنكر من يعرف الله سبحانه ويُقِرّ بقدرته أن يُحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلقه حكمة منه ورحمة بهم لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها، والعبد أضعف بصرًا وسمعًا من أن يَثْبت لمشاهدة عذاب القبر، وكثيرًا ممن أشهده الله ذلك صَعِقَ وغُشي عليه ولم ينتفع بالعيش زمنًا.
وبعضهم كُشِف قناع قلبه فمات، فكيف يُنكّر في الحكمة الإلهية إسبال غطاء يحول بين المكلفين وبين مشاهدة ذلك حتى إذا انكشف الغطاء رأوه وشاهدوه عيانًا.
ثم إن العبد قادر على أن يُزيل الزئبق والخردل عن عين الميت وصدره ثم يردّه بسرعة فكيف يعجز عنه الملك وكيف لا يقدر عليه من هو على كل شيء قدير. وكيف تعجز قدرته عن إبقائه في عينيه وعلى صدره لا يسقط عنه، وهل قياس أمر البرزخ على ما يُشاهده الناس في
[ ٩ ]
الدنيا إلا محض الجهل والضلال وتكذيب أصدق الصادقين وتعجيز رب العالمين؟ وذلك غاية الجهل والظلم.
وإذا كان أحدنا يمكنه توسعة القبر عشرة أذرع ومائة ذراع وأكثر طولًا وعرضًا وعمقًا ويستر توسيعه عن الناس ويُطلع عليه من يشاء، فكيف يعجز رب العالمين أن يوسعه ما يشاء على من يشاء ويستر ذلك عن أعين بني آدم، فيراه بنو آدم ضيقًا وهو أوسع شيء وأطيبه ريحًا وأعظمه إضاءة ونورًا وهم لا يرون ذلك.
وسر المسألة أن هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالَم.
فلو كان الميت بين الناس موضوعًا لم يممتنع أن يأتيه الملكان ويسألانه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك ويجيبهما من غير أن يسمعوا كلامه ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضربه. وهذا الواحد منا ينام إلى جنب صاحبه فيُعذب في النوم ويُضرب ويألَم وليس عند المستيقظ خبر من ذلك البتة. وقد سرى أثر الضرب والألم إلى جسده.
ومن أعظم الجهل استبعاد شق الملك الأرض والحجر وقد جعلهما الله سبحانه كالهواء للطير، ولا يلزم من حجبهما للأجسام الكثيفة أن تتولّج حُجُبها الأرواح اللطيفة وهل هذا إلا من أفسد القياس!!، وبهذا وأمثاله كُذِّبَت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. انتهى.
[ ١٠ ]