قال ابن القيم: إذا تمكن العبد من عبوديته لربه ﷿ ارتفعت همّته وعلت نفسه عن خطفات المدح والذم، فلا يفرح بمدح الناس ولا يحزن لذمّهم.
هذا وصف من خرج عن حظ نفسه وتأهّل للفناء في عبودية ربه، وصار قلبه مَطْرحًا لأشعة أنوار الأسماء والصفات، وباشر حلاوة الإيمان واليقين قلبه.
والوقوف عند مدح الناس وذمّهم علامة انقطاع القلب وخُلُوِّه من الله، وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته، ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه.
لا يجتمع (الإخلاص) في القلب و(محبة المدح والثناء) و(الطمع فيما عند الناس) إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت.
[ ٢٢٣ ]
فإذا حدّثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على (الطمع) أولًا فاذبحه بسكين اليأس وأقبل على (المدح والثناء) فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة.
فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سَهُل عليك الإخلاص.
فإن قلت: وما الذي يُسهل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟
قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من شيء يُطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره، ولا يؤتي العبد منها شيئًا سواه.
وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمّه ويشين، إلا الله وحده كما قال ذلك الأعرابي للنبي ﷺ إن مدحي زين وذمي شين، فقال: ذلك الله ﷿، فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن تقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب، قال تعالى:
[ ٢٢٤ ]
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ).
[ ٢٢٥ ]