خمسمائة سنة
وفي صحيح الحاكم حديث صاحب الرمانة الذي عبد الله خمسمائة سنة يأكل كل يوم رمانة تخرج له من شجرة ثم يقوم إلى صلاته، فسأل ربه وقت الأجل أن يقبضه ساجدًا وأن لا يجعل للأرض عليه سبيلًا حتى يُبْعَث وهو ساجد، فإذا كان يوم القيامة وُقِف بين يدي الرب فيقول تعالى: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول: رب بل بعملي، فيقول الرب ﷻ، قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله فتؤخذ نعمة البصر بعبادة خمسمائة سنة، وبقيت نعمة الجسد فضلًا عليه، فيقول: أدخلوا عبدي النار، فيُجر إلى النار فينادي: رب برحمتك رب برحمتك أدخلني الجنة، فيقول: ردوه، فيوقف بين يديه، فيقول: يا عبدي من خلقك ولم تكن شيئًا؟ فيقول: أنت يا رب، فيقول: من قوّاك على عبادة خمسمائة سنة؟ فيقول: أنت يا رب، فيقول: من أنزلك في جبل وسط اللجة وأخرج لك الماء العذب من الماء المالح، وأخرج لك كل يوم رمانة
[ ٥٥ ]
وإنما تخرج مرة في السنة، وسألتني أن أقبضك ساجدًا ففعلت ذلك بك؟ فيقول: أنت يا رب، فيقول الله: فذلك برحمتي وبرحمتي أدخلك الجنة).
قال ابن القيم ﵀: إسناده إلى النبي ﷺ صحيح ومعناه صحيح لا ريب فيه، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: (لن ينجو أحد منكم بعمله) وفي لفظ: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل). إنتهى.
بتأمل ما تقدم يتضح بزيادة الفرق بين أجر الخالق وأجر المخلوق، فالأول فضل سمّاه سبحانه ثوابًا وأجرًا، والثاني معاوضة على مصالح ومكاسب مشتركة بين المخلوقين.
ومما يوضح ما تقدم ما قاله ابن القيم ﵀ أن من تمكّن في قلبه شهود الأسماء والصفات وصفى له علمه وحاله: اندرج عمله جميعه وأضعافه وأضعاف أضعافه في حق ربه تعالى ورآه في جنب حقه أقلّ من خردلة بالنسبة إلى جبال الدنيا.
فسقط من قلبه اقتضاء حظه من المجازاة عليه لاحتقاره له وقلّته عنده وصغره في عينه.
[ ٥٦ ]
ثم ذكر الأثر الذي رواه الإمام أحمد (أن الله تعالى أوحى إلى داود: يا داود أنذر عبادي الصادقين فلا يعجبن بأنفسهم ولا يتكلنّ على أعمالهم فإنه ليس أحد من عبادي أنصبه للحساب وأقيم عليه عدلي إلا عذّبته من غير أن أظلمه، وبشر عبادي الخطائين أنه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره وأتجاوز عنه).
والأثر الآخر أيضًا أن رجلًا تعبّد سبعين سنة، وكان يقول في دعائه: رب اجزني بعملي، فمات فأُدخل الجنة فكان فيها سبعين عامًا فلما فرغ وقته قيل له: أخرج فقد استوفيت عملك.
فقلّب أمره: أي شيء كان في الدنيا أوثق في نفسه؟ فلم يجد شيئًا أوثق في نفسه من دعاء الله والرغبة إليه، فأقبل يقول في دعائه: رب سمعتك وأنا في الدنيا وأنت تُقيل العشرات فأقل عثرتي فتُرك في الجنة.
وروى الإمام أحمد أيضًا أن موسى ﵇ قال: إلهي كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمتك لا يُجازيها عملي كله؟ فأوحى الله تعالى إليه الآن شكرتني.
قال ابن القيم: لو فُرض أن العبد يأتي بمقدوره كله من الطاعة ظاهرًا وباطنًا فالذي ينبغي لربه فوق ذلك وأضعاف أضعافه، فإذا
[ ٥٧ ]
عجز العبد عنه لم يستحق ما يترتب عليه من الجزاء، والذي أتى به لا يقابل أقل النعم. إنتهى.
كيف إذا علم العبد يقينًا لا مرية فيه أن طاعته لربه أفضل وأجلّ نعمة أوتيها في الدنيا لا لما يترتّب على ذلك من ثواب الآخرة فقط وإنما لأن صلاحه ونعيمه وسرور قلبه في طاعة ربه في الدنيا، ولا تُدفع الهموم والغموم بغير ذلك.
[ ٥٨ ]