ولا تستطل هذه المقدمة، فإن ما ذكرناه فيها من كلام ابن القيم وما سنذكره أيضًا من كلامه -بمشيئة الله تعالى- مما يُهمُّ السالك أمر حارت به العقول، ولا تمكن معرفته إلا بقبس من علم الرسول، وقد أنكر عذاب القبر ونعيمه جَهَلة وضُلاّل زماننا -على وجه الخصوص-، وقد ورثوا ذلك من الملاحدة.
كما أنه يتفرّع من هذا العلم معرفة شأن يأجوج ومأجوج، وأن من أنكر وجودهم خلف السدّ وزعم خروجهم مخطئ أقبح الخطأ، وقد كتبت في ذلك كتاباَ هو (إبطال دعوى الخروج ليأجوج ومأجوج) (١). كذلك يتبين من هذه المقدمة خطأ من أنكر وجود الدجال، والذي صحّ الخبر بوجوده حاليًا، كما ورد في الحديث المرفوع الذي أخرجه مسلم عن تميم الداري -﵁-، كذلك فإن ما في هذه المقدمة أنموذج لِعِلْم ذلك الإمام العظيم ليطلعك على ما ورائها من علمه وفقهه في السلوك على الصراط المستقيم حيث أن أكثر ما في هذا الكتاب من كلامه.
ثم إن من دقائق ثمرات العمل بمقتضى علم السلوك هي كالتالي:
١ - معرفة النفس ومعرفة عبوديتها لله تعالى، وأن هذا هو المقصود بعلم السلوك حيث هو العبودية.
_________________
(١) - زعم بعض المتأخرين أن يأجوج ومأجوج هم الصينيون والأوربيون والإمريكيون وأنهم قد خرجوا منذ فترة من الزمن ولا حجة له في ذلك، والكتاب المشار إليه ردّ عليه، والحمد لله رب العالمين.
[ ١١ ]
٢ - معرفة الله وخشيته في الغيب والشهادة.
٣ - التخلص من حظوظ النفس وشوائبها.
٤ - استشعار عظمة الإله المعبود سبحانه وبحمده.
٥ - معرفة حقيقة علم النفس، وأنه في التشريع وما سواه ضلال.
٦ - العمل بما يرضي الله تعالى، واجتناب ما يسخطه.
٧ - زيادة الإيمان واستحضار مشاهد اليوم الموعود مما يعين على الاستعداد له.
٨ - التعرّف على خفايا نعم الله على عباده، والإقرار بها، وشكرها بإخلاص العمل لوجهه الكريم.
٩ - عدم الاغترار بالعمل، وعدم التهاون به.
١٠ - علو الهمة، وعدم الركون إلى الدنيا ركونًا قاطعًا عن الله.
١١ - تيسير محاسبة النفس عمليًا والحد من غرورها وطغيانها بالعبادة أو بالعلم.
١٢ - امتلاء القلب بمحبة الله والشوق إليه.
١٣ - صحة القلب، والتخلص من أمراضه، وثباته على الاستقامة.
١٤ - معرفة التوكل بالعبادة.
١٥ - فقه أسماء الله الحسنى وصفاته العلى بفقه العبادة.
١٦ - التحقق بالفقر الحقيقي وأنه ليس ما يُنافي الجِدة التي هي الغنى.
[ ١٢ ]
١٧ - التحقق بمعرفة الغِنى العالي والغِنى السافل. كما ستعرفه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
١٨ - انشراح الصدر واستنارة القلب الذي لا يحصل إلا بهذا الفقه العظيم.
١٩ - انشغال القلب بما خلق له ونزوله بمنازل: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
٢٠ - التخلص من رؤية العمل الصالح ومن طلب العِوَض عليه، والتخلص كذلك من الرضى به ومن السكون إليه.
٢١ - تيسير العمل الصالح والعمل به كما شُرع.
وكتابنا هذا -بفضل الله تعالى- مِنْ أوجز وأحسن ما يثمر لك هذه الثمار العُظمى، فاعمل به -مستعينًا بالله وحده- ليثمر لك العمل بالعبودية الحقة والمثمرة لهذه الثمار -بإذنه سبحانه-.
ثُمّ اعلم أن كنوز هذا الكتاب وتُحَفَه وذخائره مجلوبة لك من معادتها وهم سلفنا الصالح عامة، وابن القيم وشيخه خاصة -فرحمهم الله أجمعين-. ولئن ظننت أن قرائح المتأخرين تجود بمثل هذا أو تبلغه علومهم فهذا وَهْم منك، والله المستعان وعليه التكلان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عبد الكريم بن صالح الحميد
القصيم -بريدة
يوم الجمعة ١٤/ ٨/١٤٢١هـ
[ ١٣ ]