وهي تسعة: صلاة الخسوف والكسوف والاستسقاء وتحية المسجد وركعتي الوضوء وركعتين بين الأذان والإقامة وركعتين عند الخروج من المنزل والدخول فيه
ونظائر ذلك فنذكر منها ما يحضرنا الآن
الأولى صلاة الخسوف قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة (٢) قال ذلك لما مات ولده إبراهيم ﷺ وكسفت الشمس فقال الناس إنما كسفت لموته
والنظر في كيفيتها ووقتها أما الكيفية فإذا كسفت الشمس في وقت الصلاة فيه مكروهة أو غير مكروهة نودي الصلاة جامعة وصلى الإمام بالناس في المسجد ركعتين وركع في كل ركعة ركوعين أوائلهما أطول من أواخرهما
ولا يجهر فيقرأ في الأولى من قيام الركعة الأولى الفاتحة والبقرة وفي الثانية الفاتحة وآل عمران وفي الثالثة الفاتحة وسورة النساء وفي الرابعة الفاتحة وسورة المائدة أو مقدار ذلك من القرآن من حيث أراد ولو اقتصر على الفاتحة في كل قيام أجزأه ولو اقتصر على سور قصار فلا بأس
ومقصود التطويل دوام الصلاة إلى الإنجلاء
ويسبح في الركوع الأول قدر مائة آية وفي الثاني قدر ثمانين وفي الثالث قدر سبعين وفي الرابع قدر خمسين
وليكن السجود على قدر الركوع في كل ركعة
ثم يخطب خطبتين بعد الصلاة بينهما جلسة ويأمر الناس بالصدقة والعتق والتوبة
وكذلك يفعل بخسوف القمر إلا أنه يجر فيها لأنها ليلية
فأما وقتها فعند ابتداء الكسوف إلى تمام الإنجلاء ويخرج وقتها بأن تغرب الشمس كاسفة
وتفوت صلاة خسوف القمر بأن يطلع قرص الشمس إذ يبطل سلطان الليل ولا تفوت بغروب القمر خاسفًا لأن الليل كله سلطان القمر فإن انجلى في أثناء الصلاة أتمها مخففة
ومن أدرك الركوع الثاني مع الإمام فقد فاتته تلك الركعة لأن الأصل هو الركوع الأول
الثانية صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فَإِذَا غَارَتِ الْأَنْهَارُ وَانْقَطَعَتِ الْأَمْطَارُ أو إنهارت قناة فَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَوَّلًا بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَمَا أَطَاقُوا مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ وَالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي ثُمَّ يَخْرُجُ بهم في اليوم الرابع وبالعجائز والصبيان متنظفين في ثياب بذلة واستكانة متواضعين بخلاف العيد وقيل يستحب
_________________
(١) حديث صلاة ليلة نصف شعبان حديث باطل رواه ابن ماجه من حديث علي إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها وإسناده ضعيف
(٢) حديث إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله الحديث أخرجاه من حديث المغيرة بن شعبة
[ ١ / ٢٠٣ ]
إخراج الدواب لمشاركتها في الحاجة ولقوله ﷺ لولا صبيان رضع ومشايخ ركع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبًا (١) وَلَوْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَيْضًا مُتَمَيِّزِينَ لَمْ يمنعوا فإذا اجتمعوا في المصلى الواصل مِنَ الصَّحْرَاءِ نُودِيَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَصَلَّى بِهِمُ الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ ثم يخطب خطبتين وبينهما جلسة خفيفة وليكن الاستغفار معظم الخطبتين وينبغي في وسط الخطبة الثانية أن يستدبر الناس ويستقبل القبلة ويحول رداءه في هذه الساعة تفاؤلًا بتحويل الحال (٢) هكذا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فيجعل أعلاه أسفله وما على اليمين على الشمال وما على الشمال وما على اليمين
وكذلك يفعل الناس ويدعون في هذه الساعة سرًا ثم يستقبلهم فيختم الخطبة ويدعون أرديتهم محولة كما هي حتى ينزعوها متى نزعوا الثياب
ويقول في الدعاء اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك فقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا اللهم فامنن علينا بمغفرة ما قارفنا وإجابتك في سقيانا وسعة أرزاقنا
ولا بأس بالدعاء أدبار الصلوات في الأيام الثلاثة قبل الخروج ولهذا الدعاء آداب وشروط باطنة من التوبة ورد المظالم وغيرها وسيأتي ذلك في كتاب الدعوات
الثالثة صلاة الجنائز وكيفيتها مشهورة وأجمع دعاء مأثور ما روي في الصحيح عن عوف بن مالك قال رأيت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى على جنازة فحفظت من دعائه اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله وزوجًا خيرًا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار (٣) حتى قال عوف تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت
ومن أدرك التكبيرة الثانية فينبغي أن يراعي ترتيب الصلاة في نفسه ويكبر مع تكبيرات الإمام فإذا سلم الإمام قضى تكبيرة الذي فات كفعل المسبوق فإنه لو بادر التكبيرات لم تبق للقدوة في هذه الصلاة معنى فالتكبيرات هي الأركان الظاهرة وجدير بأن تقام مقام الركعات في سائر الصلوات هذا هو الأوجه عندي وإن كان غيره محتملًا
والأخبار الواردة في فضل صلاة الجنازة وتشييعها مشهورة فلا نطيل بإيرادها وكيف لا يعظم فضلها وَهِيَ مِنْ فَرَائِضِ الْكِفَايَاتِ وَإِنَّمَا تَصِيرُ نَفْلًا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ بِحُضُورِ غيره ثم ينال بها فضل فرض الكفاية وإن لم يتعين لأنهم بجملتهم قاموا بما هو فرض الكفاية وأسقطوا الحرج عن غيرهم فلا يكون ذلك كنفل لا يسقط به فرض عن أحد ويستحب طلب كثرة الجمع تبركًا بكثرة الهمم والأدعية واشتماله على ذي دعوة مستجابة لما روى كريب عن ابن عباس أنه مات له ابن فقال يا كريب انظر ما اجتمع له من الناس قال فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له فأخبرته فقال تقول هم أربعون قلت نعم قال أخرجوه فإني سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله ﷿ فيه (٤) وإذا شيع الجنازة فوصل المقابر أو دخلها ابتداء قال السلام عليكم أهل هذه الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون
والأولى أن لا ينصرف حتى يدفن الميت فإذا سوي على الميت قبره قام عليه وقال اللهم عبدك رد إليك فارأف به وارحمه اللهم جاف الأرض عن جنبيه وافتح أبواب السماء لروحه وتقبله منك بقول حسن اللهم
_________________
(١) حديث لولا صبيان رضع ومشايخ ركع الحديث أخرجه البيهقي وضعفه من حديث أبي هريرة
(٢) حديث استدار الناس واستقبال القبلة وتحويل الرداء في الإستسقاء أخرجاه من حديث عبد الله بن زيد المازني
(٣) حديث عوف بن مالك في الصلاة على الجنازة اللهم اغفر لي وله وارحمني وارحمه وعافني وعافه الحديث أخرجه مسلم دون الدعاء للمصلي
(٤) حديث ابن عباس ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون الحديث أخرجه مسلم
[ ١ / ٢٠٤ ]
إن كان محسنًا فضاعف له في إحسانه وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه
الرابعة تحية المسجد ركعتان فصاعدًا سنة مؤكدة حتى أنها لا تسقط وإن كان الإمام يخطب يوم الجمعة مع تؤكد وجوب الإصغاء إلى الخطيب
وَإِنِ اشْتَغَلَ بِفَرْضٍ أَوْ قَضَاءٍ تَأَدَّى بِهِ التَّحِيَّةُ وَحَصَلَ الْفَضْلُ إِذِ الْمَقْصُودُ أَنْ لَا يَخْلُوَ ابْتِدَاءُ دُخُولِهِ عَنِ الْعِبَادَةِ الْخَاصَّةِ بِالْمَسْجِدِ قيامًا بحق المسجد
ولهذا يكره أن يدخل المسجد على غير وضوء فإن دخل لعبور أو جلوس فليقل سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله والله أكبر يقولها أربع مرات يقال إنها عدل ركعتين في الفضل
ومذهب الشافعي ﵀ أنه لا تكره التحية في أوقات الكراهية وهي بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ وَوَقْتَ الزَّوَالِ وَوَقْتَ الطلوع والغروب لما روي أنه ﷺ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقِيلَ لَهُ أَمَا نَهَيْتِنَا عَنْ هَذَا فَقَالَ هُمَا رَكْعَتَانِ كُنْتُ أُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فشغلني عنهما الوفد (١) فأفاد هذا الحديث فائدتين إحداهما أن الكراهية مقصورة على صلاة لا سبب لها ومن أضعف الأسباب قضاء النوافل إذ اختلف العلماء في أن النوافل هل تقضى وإذا فعل مثل ما فاته هل يكون قضاء وإذا انتفت الكراهية بأضعف الأسباب فبأحرى أن تنتفي بدخول المسجد وهو سبب قوي
ولذلك لا تكره صلاة الجنازة إذا حضرت ولا صلاة الخسوف والاستسقاء في هذه الأوقات لأن لها أسبابًا
الفائدة الثانية قضاء النوافل إذ قضى رسول الله ﷺ ذلك ولنا فيه أسوة حسنة
وقالت عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ رسول الله ﷺ إذا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ مَرَضٌ فَلَمْ يَقُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ صَلَّى مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ركعة (٢) وقد قال العلماء من كان في الصلاة ففاته جواب المؤذن فإذا سلم قضى وأجاب وإن كان المؤذن سكت ولا معنى الآن لقول من يقول إن ذلك مثل الأول وليس يقضي إذ لو كان كذلك لما صلاها رسول الله ﷺ في وقت الكراهة
نعم من كَانَ لَهُ وِرْدٌ فَعَاقَهُ عَنْ ذَلِكَ عُذْرٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُرَخِّصَ لِنَفْسِهِ فِي تَرْكِهِ بَلْ يَتَدَارَكُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ حَتَّى لَا تميل نفسه إلى الدعة والرفاهية
وتداركه حسن على سبيل مجاهدة النفس ولأنه ﷺ قال أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل (٣) فَيُقْصَدُ بِهِ أَنْ لَا يَفْتُرَ فِي دَوَامِ عمله وروت عائشة ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال من عبد الله ﷿ بعبادة ثم تركها ملالة مقته الله ﷿ (٤) فليحذر أن يدخل تحت الوعيد
وتحقيق هذا الخبر
أنه مقته الله تعالى بتركها ملالة فلولا المقت والإبعاد لما سلطت الملالة عليه
الخامسة ركعتان بعد الوضوء مستحبتان لأن الوضوء قربة ومقصودها الصلاة والأحداث عارضة فربما يطرأ الحدث قبل صلاة فينتقض الوضوء ويضيع السعي فالمبادرة إلى ركعتين استيفاء المقصود الوضوء قبل الفوات
وعرف ذلك بحديث بلال إذ قال ﷺ دخلت الجنة فرأيت بلالًا فيها فقلت لبلال بم سبقتني إلى الجنة فقال بلال لا أعرف شيئا إلا أني لا أحدث وضوءًا إلا أصلي عقيبه ركعتين (٥)
السادسة ركعتان عند دخول المنزل وعند الخروج منه روى أبو هريرة ﵁ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين يمنعانك مخرج السوء وإذا دخلت إلى منزلك فصل ركعتين
_________________
(١) حديث صلى ركعتين بعد العصر قيل لَهُ أَمَا نَهَيْتِنَا عَنْ هَذَا فَقَالَ هُمَا ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر الحديث أخرجاه من حديث أم سلمة ولمسلم من حديث عائشة كان يصلي ركعتين قبل العصر ثم إنه شغل عنهما الحديث
(٢) حديث عائشة كان إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ مَرَضٌ فَلَمْ يَقُمْ تلك الليلة الحديث أخرجه مسلم
(٣) حديث أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل أخرجاه من حديث عائشة
(٤) حديث عائشة من عبد الله عبادة ثم تركها ملالة مقته الله ورواه ابن السني في رياضة المتعبدين موقوفا على عائشة
(٥) حديث دخلت الجنة فرأيت بلالًا فيها فقلت يا بلال بم سبقتني إلى الجنة الحديث أخرجاه من حديث أبي هريرة
[ ١ / ٢٠٥ ]
يمنعانك مدخل السوء (١) وفي معنى هذا كل أمر يبتدأ به مما له وقع ولذلك ورد ركعتان عند الإحرام (٢) وركعتان عند ابتداء السفر (٣) وركعتان عند الرجوع من السفر (٤) في المسجد قبل دخول البيت فكل ذلك مأثور من فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وكان بعض الصالحين إذا أكل أكلة صلى ركعتين وإذا شرب شربة صلى ركعتين وكذلك في كل أمر يحدثه
وبداية الأمور ينبغي أن يتبرك فيها بذكر الله ﷿ وهي على ثلاث مراتب بعضها يتكرر مرارًا كالأكل والشرب فيبدأ فيه باسم اللَّهِ ﷿ وَقَالَ ﷺ كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر (٥)
الثانية ما لا يكثر تكرره وله وقع كعقد النكاح وابتداء النصيحة والمشورة فالمستحب فيها أن يصدر بحمد الله فيقول المزوج الحمد لله والصلاة عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زوجتك ابنتي ويقول القابل الحمد لله والصلاة عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قبلت النكاح وكانت عادة الصحابة ﵃ في ابتداء أداء الرسالة والنصيحة والمشورة تقديم التحميد
الثالثة ما لا يتكرر كثيرًا وإذا وقع دام وكان له وقع كالسفر وشراء دار جديدة والإحرام وما يجري مجراه فيستحب تقديم ركعتين عليه وأدناه الخروج من المنزل والدخول إليه فإنه نوع سفر قريب
السابعة صلاة الاستخارة فمن هم بأمر وكان لا يدري عاقبته ولا يعرف أن الخير في تركه أو في الإقدام عليه فقد أمره رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وقل يا أيها الكافرون وفي الثانية الفاتحة وقل هو الله أحد فَإِذَا فَرَغَ دَعَا وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي ودنياي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاقدره لِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ ثُمَّ يَسِّرْهُ لِي وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَعَاقِبَةِ أَمْرِي وَعَاجِلِهِ وآجله فاصرفني عنه واصرفه عني واقدر لي الخير أينما كان إنك على كل شيء قدير (٦) رواه جابر بن عبد الله قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن وقال ﷺ إذا هم أحدكم بأمر فليصل ركعتين ثم ليسم الأمر ويدعو بما ذكرناه وقال بعض الحكماء من أعطي أربعًا لم يمنع أربعا من أعطي الشكر لم يمنع المزيد ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب
الثامنة صلاة الحاجة (٧) فمن ضاق عليه الأمر ومسته حاجة في صلاح دينه ودنياه إلى أمر تعذر عليه فليصل هذه الصلاة فقد روي عن وهيب بن الورد أنه قال إن من الدعاء الذي لا يرد أن يصلي العبد ثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة
_________________
(١) حديث أبي هريرة إذا خرجت من منزلك فصلي ركعتين يمنعانك مخرج السوء وإذا دخلت منزلك الحديث أخرجه البيهقي في الشعب من رواية بسكر بن عمرو عن صفوان بن سليم قال بكر حسبته عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكره وروى الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن عدي في الكامل من حديث أبي هريرة إذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين فإن الله جاعل له من ركعتيه خيرا قال ابن عدي وهو بهذا الإسناد منكر وقال البخاري لا أصل له
(٢) حديث ركعتي الإحرام أخرجه البخاري من حديث ابن عمر
(٣) حديث صلاة ركعتين عند ابتداء السفر أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أنس ما استخلف في أهله من خليفة أحب إلى الله من أربع ركعات يصليهن العبد في بيته إذا شدّ عليه ثياب سفره الحديث وهو ضعيف
(٤) حديث الركعتين عند القدوم من السفر أخرجاه من حديث كعب بن مالك
(٥) حديث كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة
(٦) حديث صلاة الاستخارة أخرجه البخاري من حديث جابر قال أحمد حديث منكر
(٧) حديث ابن مسعود في صلاة الحاجة اثنتي عشرة ركعة أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بإسنادين ضعيفين جدا فيهما عمرو بن هارون البلحي كذبه ابن معين وفيه علل أخرى وقد وردت صلاة الحاجة ركعتين رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن أبي أوفى وقال الترمذي حديث غريب وفي إسناده مقال
[ ١ / ٢٠٦ ]
بأم الكتاب وآية الكرسي وقل هو الله أحد فإذا فرغ خر ساجدًا ثم قال سبحان الذي لبس العز وقال به سبحان الذي تعطف بالمجد وتكرم به سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له سبحان ذي المن والفضل سبحان ذي العز والكرم سبحان ذي الطول أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامات العامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر أن تصلي على محمد وعلى آل محمد ثم يسال حاجته التي لا معصية فيها فيجاب إن شاء الله ﷿
قال وهيب بلغنا أنه كان يقال لا تعلموها لسفهائكم فيتعاونون بها على معصية الله ﷿
التاسعة صلاة التسبيح وهذه الصلاة مأثورة على وجها ولا تختص بوقت ولا بسبب ويستحب أن لا يخلو الأسبوع عنها مرة واحدة أو الشهر مرة
فقد روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله منها أنه ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك بشيء إذا أنت فعلته غفر الله لك ذنبك أوله وآخره قديمه وحديثه خطأه وعمده سره وعلانيته تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم تقول سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله والله أكبر
خمس عشرة مرة ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشر مرات ثم ترفع من الركوع فتقولها قائما عشرا ثم تسجد فتقولها عشرًا ثم ترفع من السجود فتقولها جالسا عشرا ثم تسجد فتقولها وأنت ساجد عشرًا ثم ترفع من السجود فتقولها عشرًا فذلك خمس وسبعون في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة فإن لم تفعل ففي السنة مرة (١) وفي رواية أخرى أنه يقول في أول الصلاة سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وتقدست أسماؤك ولا إله غيرك ثم يسبح خمس عشرة تسبيحة قبل القراءة وعشرًا بعد القراءة والباقي كما سبق عشرًا عشرًا ولا يسبح بعد السجود الأخير قاعدا وهذا هو الأحسن وهو اختيار ابن المبارك
والمجموع من الروايتين ثلثمائة تسبيحة فإن صلاها نهارًا فبتسليمة واحدة وإن صلاها ليلًا فبتسليمتين أحسن إذ ورد
أن صلاة الليل مثنى مثنى (٢) وإن زاد بعد التسبيح قوله لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فهو حسن فقد ورد ذلك في بعض الروايات فهذه الصلوات المأثورة
ولا يستحب شيء من هذه النوافل في الأوقات المكروهة إلا تحية المسجد وما أوردناه بعد التحية من ركعتي الوضوء وصلاة السفر والخروج من المنزل والاستخارة فلا لأن النهي مؤكد وهذه الأسباب ضعيفة فلا تبلغ درجة الخسوف والاستسقاء والتحية
وقد رأيت بعض المتصوفة يصلي في الأوقات المكروهة ركعتي الوضوء وهو في غاية البعد لأن الوضوء لا يكون سببا الصلاة بل الصلاة سبب الوضوء
فينبغي أن يتوضأ ليصلي لا أنه يصلي لأنه توضأ
وكل محدث يريد أن يصلي في وقت الكراهية فلا سبيل له إلا أن يتوضأ ويصلي فلا يبقى للكراهية معنى
ولا ينبغي أن ينوي ركعتي الوضوء كما ينوي ركعتي التحية بل إذا توضأ صلى ركعتين تطوعًا كيلا يتعطل وضوءه كما كان يفعله بلال فهو تطوع محض يقع عقيب الوضوء
وحديث بلال لم يدل على أن الوضوء سبب كالخسوف والتحية حتى ينوي ركعتي الوضوء فيستحيل أن ينوي بالصلاة الوضوء بل ينبغي أن ينوي بالوضوء الصلاة
وكيف ينتظم أن يقول في وضوئه أتوضأ لصلاتي وفي صلاته يقول أصلي لوضوئي بل من أراد أن يحرس وضوءه عن التعطيل في وقت الكراهية فلينو قضاء إن كان يجوز أن يكون في ذمته صلاة تطرق إليها خلل لسبب من الأسباب فإن قضاء الصلوات في أوقات الكراهية غير مكروه فأمانية التطوع فلا وجه لها
ففي النهي في أوقات الكراهية مهمات ثلاثة
_________________
(١) حديث صلاة التسبيح تقدم
(٢) حديث صلاة الليل مثنى مثنى أخرجاه من حديث ابن عمر
[ ١ / ٢٠٧ ]
أحدها التوقي من مضاهاة عبدة الشمس
والثاني الاحتراز من انتشار الشياطين إذ قال ﷺ إن الشمس لتطلع ومعها قرن الشيطان فإذا طلعت قارنها وإذا ارتفعت فارقها فإن استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا تضيفت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها (١) ونهى عن الصلوات في هذه الأوقات ونبه به على العلة
والثالث أن سالكي طريق الآخرة لا يزالون يواظبون على الصلوات في جميع الأوقات
والمواظبة على نمط واحد من العبادات يورث الملل
ومهما منع منها ساعة زاد النشاط وانبعثت الدواعي والإنسان حريص على ما منع منه فَفِي تَعْطِيلِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ زِيَادَةُ تَحْرِيضٍ وَبَعْثٍ على انتظار انقضاء الوقت فخصصت هذه الأوقات بالتسبيح والاستغفار حذرًا من الملل بالمداومة وتفرجًا بالانتقال من نوع عبادة إلى نوع آخر
ففي الاستطراف والاستجداد لذة ونشاط وفي الاستمرار على شيء واحد استثقال وملالا ولذلك لم تكن الصلاة سجودًا مجردًا ولا ركوعًا مجردًا ولا قيامًا مجردًا بل رتبت العبادات من أعمال مختلفة وأذكار متباينة فإن القلب يدرك من كل عمل منهما لذة جديدة عند الانتقال إليها ولو واظب على الشيء الواحد لتسارع إليه الملل
فإذا كانت هذه أمورًا مهمة في النهي عن ارتكاب أوقات الكراهة إلى غير ذلك من أسرار أخرى ليس في قوة البشر الاطلاع عليها والله ورسوله أعلم بها
فهذه المهمات لا تترك إلا بأسباب مهمة في الشرع مثل قضاء الصلوات وصلاة الاستسقاء والخسوف وتحية المسجد
فأما ما ضعف عنها فلا ينبغي أن يصادم به مقصود النهي
هذا هو الأوجه عندنا والله أعلم
كمل كتاب أسرار الصلاة من كتاب إحياء علوم الدين
يتلوه إن شاء الله كتاب أسرار الزكاة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه
والحمد لله وحده وصلاته على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا