اعلم أن على مريد طريق الآخرة بزكاته وظائف الوظيفة الأولى فهم وجوب الزكاة ومعناها ووجه الامتحان فيها وأنها لم جعلت من مباني الإسلام مع أنها تصرف مالي وليست من عبادة الأبدان وفيه ثلاث معان الْأَوَّلُ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ الْتِزَامٌ لِلتَّوْحِيدِ وَشَهَادَةٌ بِإِفْرَادِ الْمَعْبُودِ وَشَرْطُ تَمَامِ الْوَفَاءِ بِهِ أَنْ لَا يُبْقَى لِلْمُوَحِّدِ مَحْبُوبٌ سِوَى الْوَاحِدِ الْفَرْدِ فَإِنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تَقْبَلُ الشَّرِكَةَ وَالتَّوْحِيدُ بِاللِّسَانِ قَلِيلُ الْجَدْوَى وَإِنَّمَا يُمْتَحَنُ بِهِ دَرَجَةُ المحب بِمُفَارَقَةِ الْمَحْبُوبِ وَالْأَمْوَالُ مَحْبُوبَةٌ عِنْدَ الْخَلَائِقِ لِأَنَّهَا آلة تمتعهم بالدنيا وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عَنِ الْمَوْتِ مَعَ أَنَّ فِيهِ لِقَاءَ الْمَحْبُوبِ فَامْتُحِنُوا بِتَصْدِيقِ دَعْوَاهُمْ فِي الْمَحْبُوبِ وَاسْتَنْزَلُوا عَنِ الْمَالِ الَّذِي هُوَ مَرْمُوقُهُمْ وَمَعْشُوقُهُمْ وَلِذَلِكَ قَالَ
[ ١ / ٢١٣ ]
﴿اللَّهُ تَعَالَى﴾ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وَذَلِكَ بِالْجِهَادِ وَهُوَ مُسَامَحَةٌ بِالْمُهْجَةِ شَوْقًا إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ ﷿ وَالْمُسَامَحَةُ بِالْمَالِ أَهْوَنُ
وَلَمَّا فُهِمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَذْلِ الْأَمْوَالِ انْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٌ صَدَقُوا التوحيد ووفوا بعهدهم وَنَزَلُوا عَنْ جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ فَلَمْ يَدَّخِرُوا دِينَارًا ولا درهمًا فأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم حتى قيل لبعضهم كم يجب من الزكاة في مائتي درهم فقال أما على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع ولهذا تصدق أبو بكر ﵁ بجميع ماله وعمر ﵁ بشطر ماله فقال ﷺ ما أبقيت لأهلك فقال مثله وقال لأبي بكر ﵁ ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله فقال ﷺ بينكما ما بين كلمتيكما (١) فالصديق وفي بتمام الصدق فلم يمسك سوى المحبوب عنده وهو الله ورسوله
القسم الثاني درجتهم دون درجة هذا وَهُمُ الْمُمْسِكُونَ أَمْوَالَهُمُ الْمُرَاقِبُونَ لِمَوَاقِيتِ الْحَاجَاتِ وَمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ فَيَكُونُ قَصْدُهُمْ فِي الِادِّخَارِ الْإِنْفَاقَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ دُونَ التَّنَعُّمِ وَصَرْفَ الْفَاضِلِ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى وُجُوهِ الْبِرِّ مَهْمَا ظَهَرَ وُجُوهُهَا وَهَؤُلَاءِ لَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى مِقْدَارِ الزَّكَاةِ
وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ فِي الْمَالِ حُقُوقًا سِوَى الزَّكَاةِ كالنخعي وَالشَّعْبِيِّ وعطاء ومجاهد قَالَ الشَّعْبِيُّ بَعْدَ أَنْ قِيلَ لَهُ هَلْ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ قَالَ نَعَمْ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ ﷿ وَآتَى المال على حبه ذوي القربى الْآيَةَ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ينفقون وبقوله تعالى وأنفقوا مما رزقناكم وزعموا أن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة بل هو دَاخِلٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ مَهْمَا وَجَدَ مُحْتَاجًا أن يزيل حاجته فضلًا عن مال الزكاة والذي يصح في الفقه من هذا الباب أنه مهما أرهقته حاجته كانت إزالتها فرض كفاية إذ لا يجوز تضييع مسلم ولكن يحتمل أن يقال ليس على الموسر إلا تسليم ما يزيل الحاجة فرضا ولا يلزمه بذله بعد أن أسقط الزكاة عن نفسه ويحتمل أن يقال يلزمه بذله في الحال ولا يجوز له الاقتراض أي لا يجوز له تكليف الفقير قبول القرض وهذا مختلف فيه والاقتراض نزول إلى الدرجة الأخيرة من درجات العوام وهي درجة القسم الثالث الذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون عنه وَهِيَ أَقَلُّ الرُّتَبِ وَقَدِ اقْتَصَرَ جَمِيعُ الْعَوَامِّ عَلَيْهِ لِبُخْلِهِمْ بِالْمَالِ وَمَيْلِهِمْ إِلَيْهِ وَضَعْفِ حُبِّهِمْ للآخرة قال الله تعالى إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا يحفكم أي يستقص عليكم فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأن له الجنة وبين عبد لا يستقصي عليه لبخله فهذا أحد معاني أمر الله سبحانه عباده ببذل الأموال
الْمَعْنَى الثَّانِي التَّطْهِيرُ مِنْ صِفَةِ الْبُخْلِ فَإِنَّهُ من المهلكات قال ﷺ ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ (٢) وَقَالَ تَعَالَى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المفلحون وسيأتي في ربع المهلكات وجه كونه مهلكًا وكيفية التقصي منه وَإِنَّمَا تَزُولُ صِفَةُ الْبُخْلِ بِأَنْ تَتَعَوَّدَ بَذْلَ الْمَالِ فَحُبُّ الشَّيْءِ لَا يَنْقَطِعُ إِلَّا بِقَهْرِ النفس على مفارقته حتى يصير ذلك اعتيادًا فالزكاة بِهَذَا الْمَعْنَى طُهْرَةٌ أَيْ تُطَهِّرُ صَاحِبَهَا عَنْ خَبَثِ الْبُخْلِ الْمُهْلِكِ وَإِنَّمَا طَهَارَتُهُ بِقَدْرِ بَذْلِهِ وَبِقَدْرِ فَرَحِهِ بِإِخْرَاجِهِ وَاسْتِبْشَارِهِ بِصَرْفِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى
الْمَعْنَى الثَّالِثُ شُكْرُ النِّعْمَةِ فَإِنَّ لِلَّهِ ﷿ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً فِي نَفْسِهِ وفي ماله فَالْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ شُكْرٌ لِنِعْمَةِ الْبَدَنِ وَالْمَالِيَّةُ شُكْرٌ لِنِعْمَةِ الْمَالِ وَمَا أَخَسَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى الْفَقِيرِ وَقَدْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ وَأُحْوِجَ إِلَيْهِ ثُمَّ لَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِغْنَائِهِ عَنِ السُّؤَالِ وَإِحْوَاجِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ بِرُبْعِ الْعُشْرِ أَوِ الْعُشْرِ مِنْ ماله
_________________
(١) حديث جاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بشطر ماله الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه من حديث ابن عمر وليس فيه قوله بينكما ما بين كلمتيكما
(٢) حديث ثلاث مهلكاتالحديث تقدم
[ ١ / ٢١٤ ]
الوظيفة الثانية في وقت الأداء ومن آداب ذوي الدين التَّعْجِيلُ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ إِظْهَارًا لِلرَّغْبَةِ فِي الِامْتِثَالِ بِإِيصَالِ السُّرُورِ إِلَى قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَمُبَادَرَةً لعوائق الزمان أن تعوقه عَنِ الْخَيْرَاتِ وَعِلْمًا بِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ آفَاتٌ مَعَ مَا يَتَعَرَّضُ الْعَبْدُ لَهُ مِنَ الْعِصْيَانِ لَوْ أَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ
وَمَهْمَا ظَهَرَتْ دَاعِيَةُ الْخَيْرِ مِنَ الْبَاطِنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَغْتَنِمَ فإن ذلك لمة الملك وَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ فما أسرع تقلبه والشيطان يعد الفقر ويأمر بالفحشاء وَالْمُنْكَرُ وَلَهُ لِمَّةٌ عَقِيبَ لِمَّةِ الْمَلَكِ فَلْيَغْتَنِمِ الفرصة فيه وليعين لزكاتها إن كان يؤديها جميعًا شهرًا معلومًا وليجتهد أن يكون من أفضل الأوقات ليكون ذلك سببًا لنماء قريته وتضاعف زكاته وذلك كشهر المحرم فإنه أول السنة وهو من الأشهر الحرم أو رمضان فقد كان ﷺ أجود الخلق وكان في رمضان كالريح المرسلة لا يمسك فيه شيئًا (١) ولرمضان فضيلة ليلة القدر وأنه أنزل فيه القرآن
وكان مجاهد يقول لا تقولوا رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان
وذو الحجة أيضًا من الشهور الكثيرة الفضل فإنه شهر حرام وفيه الحج الأكبر وفيه الأيام المعلومات وهي العشر الأول والأيام المعدودات وهي أيام التشريق وأفضل أيام شهر رمضان العشر الأواخر وأفضل أيام ذي الحجة العشر الأول
الوظيفة الثَّالِثَةُ الْإِسْرَارُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ والسمعة قَالَ ﷺ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جهد المقل إلى فقير في سر (٢) وقال بعض العلماء ثلاث من كنوز البر منها إخفاء الصدقة (٣) وقد روي أيضًا مسندًا
وقال ﷺ إن العبد ليعمل عملًا في السر فيكتبه الله له سرًا فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب رياء (٤) وفي الحديث المشهور سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطت يمينه (٥) وفي الخبر صدقة السر تطفىء غضب الرب (٦) وقال تَعَالَى وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكم وفائدة الإخفاء الخلاص من آفات الرياء والسمعة فَقَدْ قَالَ ﷺ لَا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان والمتحدث بصدقته يطلب السمعة والمعطي في ملأ من الناس يبغي الرياء والإخفاء والسكوت هو المخلص منه (٧) وَقَدْ بَالَغَ فِي فَضْلِ الْإِخْفَاءِ جَمَاعَةٌ حَتَّى اجْتَهَدُوا أَنْ لَا يَعْرِفَ الْقَابِضُ الْمُعْطِي فَكَانَ بعضهم يلقيه في يد أعمى وبعضهم يلقيه في طريق الفقير وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي وبعضهم كان يصره في ثوب الفقير وهو نائم وبعضهم كان يُوصِلُ إِلَى يَدِ الْفَقِيرِ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُ الْمُعْطِيَ وَكَانَ يَسْتَكْتِمُ الْمُتَوَسِّطَ شَأْنَهُ وَيُوصِيهِ بِأَنْ لَا يُفْشِيهِ كُلُّ ذَلِكَ توصلًا إلى إطفاء غضب الرب سبحانه واحترازًا من الرياء والسمعة
ومهما لم يتمكن إلا بأن يعرفه شخص واحد فتسليمه إلى وكيل ليسلم إلى المسكين والمسكين لا يعرف أولى إذ في معرفة المسكين الرياء والمنة جميعًا وليس في معرفة المتوسط إلا الرياء ومهما كانت الشهرة مقصودة له
_________________
(١) حديث كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أجود الخلق وأجود ما يكون في رمضان الحديث أخرجاه من حديث ابن عباس
(٢) حديث أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث أبي ذر ولأبي داود من حديث أبي هريرة أي الصدقة أفضل قال جهد المقل
(٣) حديث ثلاث من كنوز البر فذكر منها إخفاء الصدقة أخرجه أبو نعيم في كتاب الإيجاز وجوامع الكلم من حديث ابن عباس بسند ضعيف
(٤) حديث إن العبد ليعمل عملًا في السر فيكتبه الله له سرًا فإن أظهره نقل من السر الحديث أخرج الخطيب في التاريخ من حديث أنس نحوه بإسناد ضعيف
(٥) حديث سبعة يظلهم الله في ظله الحديث أخرجاه من حديث أبي هريرة
(٦) حديث صدقة السر تطفىء غضب الرب أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة ورواه أبو الشيخ في كتاب الثواب والبيهقي في الشعب من حديث أبي سعيد كلاهما ضعيف والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة إن الصدقة لتطفىء غضب الرب ولابن حبان نحوه من حديث أنس وهو ضعيف أيضا
(٧) حديث لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان لم أظفر به هكذا
[ ١ / ٢١٥ ]
حبط عمله لأن الزكاة إزالة للبخل وتضعيف لحب المال وحب الجاه أشد استيلاء على النفس من حب المال وكل واحد منهما مهلك في الآخرة ولكن صفة البخل تنقلب في القبر في حكم المثال عقربًا لادغًا وصفة الرياء تقلب في القبر أفعى من الأفاعي وهو مأمور بتضعيفها أو قتلهما لدفع أذاهما أو تخفيف أذاهما فمهما قصد الرياء والسمعة فكأنه جعل بعض أطراف العقرب مقويًا للحية فبقدر ما ضعف من العقرب زاد في قوة الحية ولو ترك الأمر كما كان لكان الأمر أهون عليه
وقوة هذه الصفات التي بها قوتها العمل بمقتضاها وضعفت هذه الصفات بمجاهدتها ومخالفتها والعمل بخلاف مقتضاها فأي فائدة في أن يخالف دواعي البخل ويجيب دواعي الرياء فيضعف الأدنى ويقوي الأقوى وستأتي أسرار هذه المعاني في ربع المهلكات
الوظيفة الرَّابِعَةُ أَنْ يَظْهَرَ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ فِي إِظْهَارِهِ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي الِاقْتِدَاءِ وَيَحْرُسُ سِرَّهُ من داعية الرياء بالطريق الذي سنذكره في معالجة الرياء في كتاب الرياء فقد قال الله ﷿ إن تبدوا الصدقات فنعما هي وَذَلِكَ حَيْثُ يَقْتَضِي الْحَالُ الْإِبْدَاءَ إِمَّا لِلِاقْتِدَاءِ وَإِمَّا لِأَنَّ السَّائِلَ إِنَّمَا سَأَلَ عَلَى مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ التَّصَدُّقَ خِيفَةً مِنَ الرِّيَاءِ فِي الْإِظْهَارِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ وَيَحْفَظَ سِرَّهُ عَنِ الرِّيَاءِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْإِظْهَارِ مَحْذُورًا ثَالِثًا سِوَى الْمَنِّ وَالرِّيَاءِ وَهُوَ هَتْكُ سِتْرِ الْفَقِيرِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَتَأَذَّى بِأَنْ يُرَى فِي صُورَةِ الْمُحْتَاجِ فَمَنْ أَظْهَرَ السُّؤَالَ فَهُوَ الَّذِي هَتَكَ سِتْرَ نَفْسِهِ فَلَا يُحْذَرُ هَذَا الْمَعْنَى فِي إظهاره وهو كإظهار الفسق على من تستر به فإنه محظور والتجسس فيه والاعتياد بذكره منهي عنه فأما من أظهره فإقامة الحد عليه إشاعة ولكن هو السبب فيها وبمثل هذا المعنى قال ﷺ من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له (١) وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سرًا وعلانية نَدَبَ إِلَى الْعَلَانِيَةِ أَيْضًا لِمَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةِ التَّرْغِيبِ فَلْيَكُنِ الْعَبْدُ دَقِيقَ التَّأَمُّلِ فِي وزن هذه الفائدة بالمحذور الذي فيه فإن ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص فقد يكون الإعلان في بعض الأحوال لبعض الأشخاص أفضل وَمَنْ عَرَفَ الْفَوَائِدَ وَالْغَوَائِلَ وَلَمْ يَنْظُرْ بِعَيْنِ الشَّهْوَةِ اتَّضَحَ لَهُ الْأَوْلَى وَالْأَلْيَقَ بِكُلِّ حَالٍ
الوظيفة الْخَامِسَةُ أَنْ لَا يُفْسِدَ صَدَقَتَهُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأذى واختلفوا في حقيقة المن والأذى فقيل المن أن يذكرها والأذى أن يظهرها وقال سفيان من من فسدت صدقته فقيل له كيف المن فقال أن يذكره ويتحدث به وقيل المن أن يستخدمه بالعطاء والأذى أن يعيره بالفقر وقيل المن أن يتكبر عليه لأجل عطائه والأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة
وَقَدْ قَالَ ﷺ لَا يقبل الله صدقة منان (٢) وعندي أن المن له أصل ومغرس وهو من أحوال القلب وصفاته ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح فأصله أن يرى نفسه محسنًا إليه وَمُنْعِمًا عَلَيْهِ وَحَقُّهُ أَنْ يَرَى الْفَقِيرَ مُحْسِنًا إِلَيْهِ بِقَبُولِ حَقِّ اللَّهِ ﷿ مِنْهُ الَّذِي هُوَ طُهْرَتُهُ وَنَجَاتُهُ مِنَ النَّارِ وَأَنَّهُ لو يَقْبَلْهُ لَبَقِيَ مُرْتَهِنًا بِهِ فَحَقُّهُ أَنْ يَتَقَلَّدَ منه الفقير إذ جعل كفه نائبًا عن الله ﷿ في قبض حق الله ﷿
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الصدقة تقع بيد الله ﷿ قبل أن تقع في يد السائل (٣) فليتحقق أنه مسلم إلى الله ﷿ حقه والفقير آخذ من الله تعالى رزقه بعد صيرورته إلى الله ﷿
ولو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو خادمه الذي هو متكفل برزقه
_________________
(١) حديث من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له أخرجه ابن عدي وابن حبان في الضعفاء من حديث أنس بسند ضعيف
(٢) حديث لا يقبل الله صدقة منان هو كالذي قبله بحديث لم أجده
(٣) حديث إن الصدقة تقع بيد الله قبل أن تقع في يد السائل أخرجه الدارقطني في الأفراد من حديث ابن عباس وقال غريب من حديث عكرمة عنه ورواه البيهقي في الشعب بسند ضعيف
[ ١ / ٢١٦ ]
لكان اعتقاد مؤدى الدين كون القابض تحت منته سفهًا وجهلًا فإن المحسن إليه هو المتكفل برزقه
أما هو فإنما يقضي الذي لزمه بشراء ما أحبه فهو ساع في حق نفسه فلم يمن به على غيره
ومهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرناها في فهم وجوب الزكاة أو أحدها لَمْ يَرَ نَفْسَهُ مُحْسِنًا إِلَّا إِلَى نَفْسِهِ إِمَّا بِبَذْلِ مَالِهِ إِظْهَارًا لِحُبِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ تَطْهِيرًا لِنَفْسِهِ عَنْ رَذِيلَةِ الْبُخْلِ أَوْ شكرًا على نعمة المال طلبًا للمزيد
وكيفما كان فلا معاملة بينه وبين الفقير حتى يرى نفسه محسنًا إليه ومهما حصل هذا الجهل بأن رأى نفسه محسنًا إليه تفرع منه على ظاهره ما ذكر في معنى المن وهو التحدث به وإظهاره وطلب المكافأة منه بالشكر والدعاء والخدمة والتوقير والتعظيم والقيام بالحقوق والتقديم في المجالس والمتابعة في الأمور فهذه كلها ثمرات المنة ومعنى المنة في الباطن ما ذكرناه
وأما الأذى فظاهره التوبيخ والتعيير وتخشين الكلام وتقطيب الوجه وهتك الستر بالإظهار وفنون الاستخفاف وباطنه وهو منبعه أمران أحدهما كراهيته لرفع اليد عن المال وشدة ذلك على نفسه فإن ذلك يضيق الخلق لا محالة
والثاني رؤيته أنه خير من الفقير وأن الفقير لسبب حاجته أخس منه وكلاهما منشؤه الجهل
أما كراهية تسليم المال فهو حمق لأن من كره بذل درهم في مقابلة ما يساوي ألفًا فهو شديد الحمق
ومعلوم أنه يبذل المال لطلب رضا الله ﷿ والثواب في الدار الآخرة وذلك أشرف مما بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل أو شكرًا لطلب المزيد وكيفما فرض فالكراهة لا وجه لها
وأما الثاني فهو أيضًا جَهْلٌ لِأَنَّهُ لَوْ عَرَفَ فَضْلَ الْفَقْرِ عَلَى الغنى وعرف خطر الأغنياء لما استحقر الفقير بل تبرك به وتمنى درجته فصلحاء الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام ولذلك قال ﷺ هم الأخسرون ورب الكعبة فقال أبو ذر من هم قال هم الأكثرون أموالا الحديث ثم كيف يستحقر الفقير وقد جعله الله تعالى متجرة له إذ يكتسب المال بجهدك ويستكثر منه ويجتهد في حفظه بمقدار الحاجة وقد ألزم أن يسلم إلى الفقير قدر حاجته ويكف عنه الفاضل الذي يضره لو سلم إليه فالغني مستخدم للسعي في رزق الفقير ويتميز عليه بتقليد المظالم والتزام المشاق وحراسة الفضلات إلى أن يموت فيأكله أعداؤه فإن مهما انتقلت الكراهية وتبدلت بالسرور والفرح بتوفيق الله تعالى له أداء الواجب وتفضيله الفقير حتى يخلصه عن عهدته بقبوله منه انتفى الأذى والتوبيخ وتقطيب الوجه وتبدل بالاستبشار والثناء وقبول المنة فهذا منشأ المن والأذى
فإن قلت فرؤيته نفسه في درجة المحسن أمر غامض فهل من علامة يمتحن بها قلبه فيعرف بها أنه لم ير نفسه محسنًا فاعلم أن له علامة دقيقة واضحة وهو أن يقدر أن الفقير لو جنى عليه جناية أو مالًا عدوا له عليه مثلًا هل كان يزيد في استنكاره واستبعاده له على استنكاره قبل التصدق فإن زاد لم تخل صدقته عن شائبة المنة لأنه توقع بسببه ما لم يكن يتوقع قبل ذلك
فإن قلت فهذا أمر غامض ولا ينفك قلب أحد عنه فما دواؤه فاعلم أن له دواء باطنًا ودواء ظاهرًا أما الباطن فالمعرفة بالحقائق التي ذكرناها في فهم الوجوب وأن الفقير هو المحسن إليه في تطهيره بالقبول
وأما الظاهر فالأعمال التي يتعاطاها متقلد المنة فإن الأفعال التي تصدر عن الأخلاق تصبغ القلب بالأخلاق كما سيأتي أسراره في الشطر الأخير من الكتاب ولهذا كان بعضهم يضع الصدقة بين يدي الفقير ويتمثل قائمًا بين يديه حتى يسأله قبولها حتى يكون هو في صورة السائلين وهو يستشعر مع ذلك كراهية لو رده وكان بعضهم يبسط كفه ليأخذ الفقير من كفه وتكون يد الفقير هي العليا
وكانت عائشة وأم سلمة ﵄ إذا أرسلتا معروفًا إلى فقير قالتا للرسول احفظ ما يدعو به ثم كانتا تردان عليه مثل قوله وتقولان هذا بذاك حتى تخلص لنا صدقتنا فكانوا لا يتوقعون الدعاء لأنه شبه المكافأة وكانوا يقابلون الدعاء
[ ١ / ٢١٧ ]
بمثله وهكذا فعل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄ وهكذا كان أرباب القلوب يداوون قلوبهم ولا دواء من حيث الظاهر إلا هذه الأعمال الدالة على التذلل والتواضع وقبول المنة ومن حيث الباطن المعارف التي ذكرناها هذا من حيث العمل وذلك من حيث العلم
ولا يعالج القلب إلا بمعجون العلم والعمل وهذه الشريطة من الزكوات تجري مجرى الخشوع من الصلاة وثبت ذلك بقوله ﷺ ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها (١) وهذا كقوله ﷺ لا يتقبل الله صدقة منان وكقوله ﷿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى وأما فتوى الفقيه بوقوعها موقعها وبراءة ذمته عنها دون هذا الشرط فحديث آخر وقد أشرنا إلى معناه في كتاب الصلاة
الوظيفة السَّادِسَةُ أَنْ يَسْتَصْغِرَ الْعَطِيَّةَ فَإِنَّهُ إِنِ اسْتَعْظَمَهَا أُعْجِبَ بِهَا وَالْعُجْبُ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ وَهُوَ مُحْبِطٌ للأعمال قال تعالى ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا ويقال إن الطاعة كلما استصغرت عظمت عند الله ﷿
والمعصية كلما استعظمت صغرت عند الله ﷿
وقيل لا يتم المعروف إلا بثلاثة أمور تصغيره وتعجيله وستره وليس الاستعظام هو المن والأذى فإنه لو صرف ماله إلى عمارة مسجد أو رباط أمكن فيه الاستعظام ولا يمكن فيه المن والأذى بل العجب والاستعظام يجري في جميع العبادات ودواؤه علم وعمل
امام العلم فهو أن يعلم أن العشر أو ربع العشر قليل من كثير وأنه قد قنع لنفسه بأخس درجات البذل كما ذكرنا في فهم الوجوب فهو جدير بأن يستحيي منه فكيف يستعظمه وإن ارتقى إلى الدرجة العليا فبذل كل ماله أو أكثره فليتأمل أنه من أين له المال وإلى ماذا يصرفه فالمال لله ﷿ وله المنة عليه إذ أعطاه ووفقه لبذله فلم يستعظم في حق الله تعالى ما هو عين حق الله سبحانه وإن كان مقامه يقتضي أن ينظر إلى الآخرة وأنه يبذله للثواب فلم يستعظم بذل ما ينتظر عليه أضعافه
وأما العمل فهو أن يعطيه عطاء الخجل من بخل بإمساك بقية ماله عن الله ﷿ فتكون هيئته الانكسار والحياء كهيئة من يطالب برد وديعة فيمسك بعضها ويرد البعض لأن المال كله لله ﷿ وبذل جميعه هو الأحب عند الله سبحانه وإنما لم يأمر به عبده لأنه يشق عليه بسبب بخله كما قال الله ﷿ فيحفكم تبخلوا
الوظيفة السَّابِعَةُ أَنْ يَنْتَقِيَ مِنْ مَالِهِ أَجْوَدَهُ وَأَحَبَّهُ إِلَيْهِ وَأَجَلَّهُ وَأَطْيَبَهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لا يقبل إلا طيبًا وإذا كان المخرج من شبهة فربما لا يكون ملكًا له مطلقًا فلا يقع الموقع
وفي حديث أبان عن أنس بن مالك طوبى لعبد أنفق من مال اكتسبه من غير معصية (٢) وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُخْرَجُ مِنْ جِيدِ الْمَالِ فَهُوَ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ إِذْ قَدْ يُمْسِكُ الجيد لنفسه أو لعبده أو لأهله فَيَكُونُ قَدْ آثَرَ عَلَى اللَّهِ ﷿ غَيْرَهُ وَلَوْ فَعَلَ هَذَا بِضَيْفِهِ وَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَرْدَأَ طَعَامٍ فِي بَيْتِهِ لَأُوغِرَ بِذَلِكَ صَدْرُهُ هذا إن كان نظره إلى الله ﷿ وإن كان نظره إلى نفسه وثوابه في الآخرة فليس بعاقل من يؤثر غيره على نفسه وليس له من ماله إلا ما تصدق به فأبقى أو اكل فأفني والذي يأكله قضاء وطر في الحال فليس من العقل قصر النظر على العاجلة وترك الادخار وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فيه أي لا تأخذوه إِلَّا مَعَ كَرَاهِيَةٍ وَحَيَاءٍ وَهُوَ مَعْنَى الْإِغْمَاضِ فلا تؤثروا به ربكم
وفي الخبر سبق درهم مائة ألف درهم (٣)
_________________
(١) حديث ليس للمؤمن من صلاته إلا ما عقل منها تقدم في الصلاة
(٢) حديث أنس طوبى لعبد أنفق من مال اكتسبه من غير معصية أخرجه ابن عدي والبزار
(٣) حديث سبق درهم مائة ألف أخرجه النسائي وابن حبان وصححه من حديث أبي هريرة
[ ١ / ٢١٨ ]
وذلك بأن يخرجه الإنسان وهو من أحل ماله وأجوده فيصدر ذلك عن الرضا والفرح بالبذل وقد يخرج مائة ألف درهم مما يكره من ماله فيدل ذلك على أنه ليس يؤثر الله ﷿ بشيء مما يحبه
وبذلك ذم الله تعالى قومًا جعلوا لله ما يكرهون فقال تعالى ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا وقف بعض القراء على النفي تكذيبًا لهم ثم ابتدأ وقال جرم أن لهم النار أي كسب لهم جعلهم لله ما يكرهون النار
الوظيفة الثامنة أن يطلب لصدقته مَنْ تَزْكُو بِهِ الصَّدَقَةُ وَلَا يَكْتَفِي بِأَنْ يَكُونَ مِنْ عُمُومِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فَإِنَّ فِي عمومهم خصوص صفات فليراع خصوص تلك الصفات وهي ستة
الأولى أن يطلب الأتقياء المعرضين عن الدينا المتجردين لتجارة الآخرة قال ﷺ لَا تَأْكُلْ إِلَّا طَعَامَ تَقِيٍّ وَلَا يَأْكُلْ طعامك إلا تقي (١) وهذا لأن التقي يستعين به على التقوى فتكون شريكًا في طاعته بإعانتك إياه وقال ﷺ أطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين (٢) وفي لفظ آخر أضف بطعامك من تحبه في الله تعالى (٣) وكان بعض العلماء يؤثر بالطعام فقراء الصوفية دون غيرهم فقيل له لو عممت بمعروفك جميع الفقراء لكان أفضل فقال لا هؤلاء قوم همهم لله سبحانه فإذا طرقتهما فاقة تشتت هم أحدهم فلأن أرد همة واحد إلى الله ﷿ أحب إلي من أن أعطي ألفًا ممن همته الدنيا فذكر هذا الكلام للجنيد فاستحسنه وقال هذا ولي من أولياء الله تعالى وقال ما سمعت منذ زمان كلامًا أحسن من هذا ثم حكى أن هذا الرجل اختل حاله وهم بترك الحانوت فبعث إليه الجنيد مالًا وقال اجعله بضاعتك ولا تترك الحانوت فإن التجارة لا تضر مثلك وكان هذا الرجل بقالًا لا يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه
الصفة الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خَاصَّةً فَإِنَّ ذَلِكَ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعِلْمُ أَشْرَفُ الْعِبَادَاتِ مَهْمَا صَحَّتْ فِيهِ النِّيَّةُ
وَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يُخَصِّصُ بِمَعْرُوفِهِ أَهْلَ الْعِلْمِ فَقِيلَ لَهُ لَوْ عَمَّمْتَ فَقَالَ إِنِّي لَا أَعْرِفُ بَعْدَ مَقَامِ النُّبُوَّةِ أَفْضَلَ مِنْ مَقَامِ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا اشْتَغَلَ قَلْبُ أَحَدِهِمْ بِحَاجَتِهِ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِلْعِلْمِ وَلَمْ يُقْبِلْ عَلَى التَّعَلُّمِ فَتَفْرِيغُهُمْ لِلْعِلْمِ أفضل
الصفة الثَّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي تَقْوَاهُ وَعِلْمِهِ بِالتَّوْحِيدِ
وَتَوْحِيدُهُ أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ الْعَطَاءَ حَمِدَ اللَّهَ ﷿ وَشَكَرَهُ وَرَأَى أَنَّ النِّعْمَةَ منه ولم ينظر إلى واسطة فهذا هو أشكر العباد لله سبحانه وهو أن يرى أن النعمة كلها منه
وفي وصية لقمان لابنه لا تجعل بينك وبين الله منعمًا واعدد نعمة غيره عليك مغرمًا
ومن شكر غير الله سبحانه فكأنه لم يعرف المنعم ولم يتيقن أن الواسطة مقهور مسخر بتسخير الله ﷿ إذ سلط الله تعالى عَلَيْهِ دَوَاعِيَ الْفِعْلِ وَيَسَّرَ لَهُ الْأَسْبَابَ فَأَعْطَى وهو مقهور ولو أراد تركه لم يقدر عليه بعد أن ألقى الله ﷿ في قلبه أن صلاح دينه ودنياه في فعله
فمهما قوي الباعث أوجب ذلك جزم الإرادة وانتهاض القدرة ولم يستطع العبد مخالفة الباعث القوي الذي لا تردد فيه والله ﷿ خالق للبواعث ومهيجها ومزيل للضعف والتردد عنها ومسخر القدرة للانتهاض بمقتضى البواعث فمن تيقن هذا لم يكن له نظر إلا إلى مسبب الأسباب وتيقن مثل هذا العبد أنفع للمعطي من ثناء غيره وشكره فذلك حركة لسان يقل في الأكثر جدواه وإعانة مثل هذا العبد الموحد لا تضيع وأما الذي يمدح بالعطاء ويدعو بالخير فسيذم بالمنع ويدعو بالشر عند الإيذاء وأحواله متفاوتة
وقد روي أنه ﷺ بعث معروفًا إلى بعض الفقراء وقال للرسول احفظ ما يقول فلما أخذ قال الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ولا يضيع من شكره ثم قال اللهم إنك لم تنس فلانًا يعني نفسه فاجعل فلانًا لا ينساك يعني بفلان نفسه فأخبر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ
_________________
(١) حديث لَا تَأْكُلْ إِلَّا طَعَامَ تَقِيٍّ وَلَا يَأْكُلْ طعاعته إلا تقي أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد بلفظ لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي
(٢) حديث أطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين أخرجه ابن المبارك في البر والصلة من حديث أبي سعيد الخدري قال ابن طاهر غريب فيه مجهول
(٣) حديث أضف بطعامك من يحبه الله أخرجه ابن المبارك أنبأنا جويبر عن الضحاك مرسلا
[ ١ / ٢١٩ ]
فسر وقال ﷺ علمت أنه يقول ذلك (١) فانظر كيف قصر التفاته على الله وحده وقال ﷺ لرجل تب فقال أتوب إلى الله وحده ولا أتوب إلى محمد فقال ﷺ عرف الحق لأهله (٢) ولما نزلت براءة عائشة ﵂ في قصة الإفك قال أبو بكر ﵁ قومي فقبلي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالت والله لا أفعل ولا أحمد إلا الله فقال ﷺ دعها يا أبا بكر (٣) وفي لفظ آخر أنها ﵂ قالت لأبي بكر ﵁ بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك فلم ينكر رسول الله ﷺ عليها ذلك مع أن الوحي وصل إليها على لسان رسول الله ﷺ
ورؤية الأشياء من غير الله سبحانه وصف الكافرين قال الله تعالى ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ وَمَنْ لَمْ يَصْفُ بَاطِنُهُ عَنْ رُؤْيَةِ الْوَسَائِطِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ أَنَّهُمْ وَسَائِطُ فَكَأَنَّهُ لَمْ ينفك عن الشرك الخفي سره
فَلْيَتَّقِ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي تَصْفِيَةِ تَوْحِيدِهِ عَنْ كدورات الشرك وشوائبه
الصفة الرابعة أن يكون مستترًا مُخْفِيًا حَاجَتَهُ لَا يُكْثِرُ الْبَثَّ وَالشَّكْوَى أَوْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ مِمَّنْ ذَهَبَتْ نِعْمَتُهُ وبقيت عادته فهو يتعيش في جلباب التجمل قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أَيْ لَا يُلِحُّونَ فِي السُّؤَالِ لِأَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ بِيَقِينِهِمْ أَعِزَّةٌ بِصَبْرِهِمْ وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْلَبَ بالتفحص عن أهل الدين في كل محلة ويستكشف عن بواطن أحول أَهْلِ الْخَيْرِ وَالتَّجَمُّلِ فَثَوَابُ صَرْفِ الْمَعْرُوفِ إِلَيْهِمْ أضعاف ما يصرف إلى المجاهرين بالسؤال
الصفة الْخَامِسَةُ أَنْ يَكُونَ مُعِيلًا أَوْ مَحْبُوسًا بِمَرَضٍ أَوْ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ فَيُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷿ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سبيل الله﴾ أَيْ حُبِسُوا فِي طَرِيقِ الْآخِرَةِ بِعَيْلَةٍ أَوْ ضِيقِ مَعِيشَةٍ أَوْ إِصْلَاحِ قَلْبٍ ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربًا في الأرض﴾ لأنهم مقصوصوا الجناح مقيدوا الْأَطْرَافِ
فَبِهَذِهِ الْأَسْبَابِ كَانَ عمر ﵁ يُعْطِي أَهْلَ الْبَيْتِ الْقَطِيعَ مِنَ الْغَنَمِ الْعَشَرَةَ فَمَا فَوْقَهَا وَكَانَ ﷺ يعطي العطاء على مقدار العيلة (٤) وسأل عمر ﵁ عَنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ فقال كثرة العيال وقلة المال
الصفة السَّادِسَةُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَقَارِبِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ فَتَكُونُ صَدَقَةً وَصِلَةَ رَحِمٍ وَفِي صِلَةِ الرَّحِمِ مِنَ الثَّوَابِ مَا لَا يُحْصَى قَالَ علي ﵁ لَأَنْ أَصِلَ أَخًا مِنْ إِخْوَانِي بِدِرْهَمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بعشرين درهمًا ولأن أصله بعشرين درهمًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ولأن أصله بمائة درهم أحب إلي من أن أعتق رقبة
والأصدقاء وإخوان الخير أيضا
_________________
(١) حديث بعث معروفًا إلى بعض الفقراء وقال للرسول احفظ ما يقول فلما أخذه قال الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره الحديث لم أجد له أصلا إلا في حديث ضعيف من حديث ابن عمر وروى ابن منده في الصحابة أوله ولم يسق هذه القطعة التي أوردها المصنف وسمى الرجل حديرا فقد رويا من طريق البيهقي أنه وصل لحدير من أبي الدرداء شيء فقال اللهم إنك لم تنس حديرا فاجعل حديرا لا ينساك وقيل إن هذا آخر لا صحبة له يكنى أبا جريرة وقد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين
(٢) حديث قال لرجل تب فقال أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد الحديث أخرجه أحمد والطبراني من حديث الأسود ابن سريع بسند ضعيف
(٣) حديث لما نزلت براءة عائشة قال أبو بكر قومي فقبلي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الحديث أخرجه أبو داود من حديث عائشة بلفظ فقال أبواي قومي فقبلي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقلت أحمد الله لا إياكما وللبخاري تعليقا فقال أبواي قومي إليه فقلت لا والله لا أقوم إليه ولا أحمدكما ولكن أحمد الله وله ولمسلم فقالت لي أمي قومي إليه فقلت لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله وللطبراني فقالت بحمد الله لا بحمد صاحبك وله من حديث ابن عباس فقالت لا بحمدك ولا بحمد صاحبك وله من حديث ابن عمر فقال أبو بكر قومي فاحتضني رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ لا والله لا أدنو منه الحديث وفيه أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بحمد الله لا بحمدك
(٤) حديث كان يعطي العطاء على مقدار العيلة لم أر له أصلا ولأبي داود من حديث عوف بن مالك أن رسول الله ﷺ كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه وأعطى الآهل حظين وأعطى العزب حظا
[ ١ / ٢٢٠ ]
يُقَدَّمُونَ عَلَى الْمَعَارِفِ كَمَا يَتَقَدَّمُ الْأَقَارِبُ عَلَى الأجانب فليراع هذه الدقائق فهذه هي الصِّفَاتُ الْمَطْلُوبَةُ وَفِي كُلِّ صِفَةٍ دَرَجَاتٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَطْلُبَ أَعْلَاهَا فَإِنْ وُجِدَ مَنْ جَمَعَ جُمْلَةً مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَهِيَ الذَّخِيرَةُ الْكُبْرَى والغنيمة العظمى
ومهما اجتهد في ذلك وأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد فإن أحد أجريه في الحال تطهيره نفسه عن صفة البخل وتأكيد حب الله ﷿ في قلبه واجتهاده في طاعته وهذه الصفات هي التي تقوي في قلبه فتشوقه إلى لقاء الله ﷿ والأجر الثاني ما يعود إليه من فائدة دعوة الآخذ وهمته فإن قلوب الأبرار لها آثار في الحال والمآل فإن أصاب حصل الأجران وإن أخطأ حصل الأول دون الثاني فبهذا يضاعف أجر المصيب في الاجتهاد ههنا وفي سائر المواضع والله أعلم