اعلم أن هذا مما لا يحتاج إلى تكلف في إظهاره لا سيما وقد ظهر شرف العلم من قبل العقل والعقل منبع العلم ومطلعه وأساسه والعلم يجري منه مجرى الثمرة من الشجرة والنور من الشمس والرؤية من العين فكيف لا يشرف ما هو وسيلة السعادة في الدنيا والآخرة أو كيف يستراب فيه والبهيمة مع قصور تمييزها تحتشم العقل حتى إن أعظم البهائم بدنًا وأشدها ضراوة وأقواها سطوة إذا رأى صورة الإنسان احتشمه وهابه لشعوره باستيلائه عليه لما خص به من إدراك الحيل
ولذلك قال ﷺ الشيخ في قومه كالنبي في أمته (١) وليس ذلك لكثرة ماله ولا لكبر شخصه ولا لزيادة قوته بل لزيادة تجربته التي هي ثمرة عقله
ولذلك ترى الأتراك والأكراد وأجلاف العرب وسائر الخلق مع قرب منزلتهم من رتبة البهائم يوقرون المشايخ بالطبع
ولذلك حين قصد كثير من المعاندين قتل رسول الله ﷺ فلما وقعت أعينهم عليه واكتحلوا بغرته الكريمة هابوه وتراءى لهم ما كان يتلألأ على ديباجة وجهه من نور النبوة وإن كان ذلك باطنًا في نفسه بطون العقل فشرف العقل ما يدرك بالضرورة وإنما القصد أن نورد ما وردت به الأخبار والآيات في ذكر شرفه وقد سماه الله نورًا في قوله تعالى الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة وسمى العلم المستفاد منه روحًا ووحيًا وحياة فقال تعالى ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا﴾ وقال سبحانه أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس وحيث ذكر النور والظلمة أراد به العلم والجهل كقوله ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ وقال ﷺ يا أيها الناس اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه واعلموا أنه ينجدكم عند ربكم واعلموا أن العاقل من أطاع الله وإن كان دميم المنظر حقير الخطر دنيء المنزلة رث الهيئة وأن الجاهل من عصى الله تعالى وإن كان جميل المنظر عظيم الخطر شريف المنزلة حسن الهيئة فصيحًا نطوقًا فالقردة والخنازير أعقل عند الله تعالى ممن عصاه ولا تغتر بتعظيم أهل الدنيا إياهم فإنهم من الخاسرين (٢)
وقال ﷺ أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال الله ﷿ وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم على منك بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب (٣)
فإن قلت فهذا العقل إن كان عرضًا فكيف خلق قبل الأجسام وإن كان جوهرًا فكيف يكون جوهر قائم بنفسه ولا يتحيز فاعلم أن هذا من علم المكاشفة فلا يليق ذكره بعلم المعاملة وغرضنا الآن ذكر علوم المعاملة
وعن أنس ﵁ قال أثنى قوم على رجل عند النبي ﷺ حتى بالغوا فقال ﷺ كيف عقل الرجل فقالوا نخبرك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله فقال ﷺ إن الأحمق يصيب بجهله أكثر من فجور
_________________
(١) حديث الشيخ في قومه كالنبي في أمته أخرجه ابن حبان في الضعفاء من حديث ابن عمر وأبو منصور الديلمي من حديث أبي رافع بسند ضعيف
(٢) حديث يا أيها الناس اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل الحديث أخرجه داود بن المجبر أحد الضعفاء في كتاب العقل من حديث أبي هريرة وهو في مسند الحارث بن أبي أسامة عن داود
(٣) حديث أول ما خلق الله العقل قال له أقبل الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي أمامة وأبو نعيم من حديث عائشة بإسنادين ضعيفين
[ ١ / ٨٣ ]
الفاجر وإنما يرتفع العباد غدًا في الدرجات الزلفى من ربهم على قدر عقولهم (١)
وعن عمر ﵁ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله (٢) وقال ﷺ إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله فعند ذلك تم إيمانه وأطاع ربه وعصى عدوه إبليس (٣) وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته أما سمعتم قول الفجار في النار لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (٤) وعن عمر ﵁ أنه قال لتميم الداري ما السودد فيكم قال العقل قال صدقت سألت رسول الله ﷺ كما سألتك فقال كما قلت ثم قال سألت جبريل ﵇ ما السودد فقال العقل (٥) وعن البراء بن عازب ﵁ قال كثرت المسائل يومًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال يا أيها الناس إن لكل شيء مطية ومطية المرء العقل وأحسنكم دلالة ومعرفة بالحجة أفضلكم عقلًا (٦) وعن أبي هريرة ﵁ قال لما رجع رسول الله ﷺ من غزوة أحد سمع الناس يقولون فلان أشجع من فلان وفلان أبلى ما لم يبل فلان ونحو هذا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أما هذا فلا علم لكم به قالوا وكيف ذلك يا رسول الله فقال ﷺ إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل وكانت نصرتهم ونيتهم على قدر عقولهم فأصيب منهم من أصيب على منازل شتى فإذا كان يوم القيامة اقتسموا المنازل على قدر نياتهم وقدر عقولهم (٧) وعن البراء بن عازب أنه ﷺ قال جد الملائكة واجتهدوا في طاعة الله ﷾ بالعقل وجد المؤمنون من بني آدم على قدر عقولهم فأعملهم بطاعة الله ﷿ أوفرهم عقلًا (٨) وعن عائشة ﵂ قالت قلت يا رسول الله بم يتفاضل الناس في الدنيا قال بالعقل قلت وفي الآخرة قال بالعقل قلت أليس إنما يجزون بأعمالهم فقال ﷺ يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم ﷿ من العقل فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم وبقدر ما عملوا يجزون (٩) وعن ابن عباس ﵄ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لكل شيء آلة وعدة وإن آلة المؤمن العقل ولكل شيء مطية ومطية المرء العقل ولكل شيء دعامة ودعامة الدين العقل ولكل قوم غاية وغاية العباد العقل ولكل قوم داع وداعي العابدين العقل ولكل تاجر بضاعة وبضاعة المجتهدين العقل ولكل أهل بيت قيم وقيم بيوت الصديقين العقل ولكل خراب
_________________
(١) حديث أنس أثنى قوم على رجل عند النبي ﷺ حتى بالغوا في الثناء فقال كيف عقل الرجل ﴿الحديث﴾ أخرجه ابن المجبر في العقل بتمامه والترمذي الحكيم في النوادر مختصرا
(٢) حديث عمر ما اكتسب رجل مثل فضل عقل الحديث أخرجه ابن المجبر في العقل وعنه الحارث بن أبي أمامة
(٣) حديث إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله الحديث أخرجه ابن المجبر من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به والحديث عند الترمذي مختصر دون قوله ولا يتم من حديث عائشة وصححه
(٤) حديث أبي سعيد لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله الحديث أخرجه ابن المجبر وعنه الحارث
(٥) حديث عمر أنه قال لتميم الداري ما السودد فيكم قال العقل قال صدقت سألت رسول الله ﷺ الحديث أخرجه ابن المجبر وعنه الحارث
(٦) حديث البراء كثرت المسائل عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال يا أيها الناس إن لكل شيء مطية الحديث أخرجه ابن المجبر وعنه الحارث
(٧) حديث أبي هريرة لما رجع رسول الله ﷺ من غزوة أحد سمع الناس يقولون كان فلان أشجع من فلان الحديث أخرجه ابن المجبر
(٨) حديث البراء بن عازب جد الملائكة واجتهدوا في طاعة الله بالعقل الحديث أخرجه ابن المجبر كذلك وعنه الحارث في مسنده ورواه البغوي في معجم الصحابة من حديث ابن عازب رجل من الصحابة غير البراء وهو بالسند الذي رواه ابن المجبر
(٩) حديث عائشة قالت يا رسول الله بأي شيء يتفاضل الناس في الدنيا قال بالعقل الحديث أخرجه ابن المجبر والترمذي الحكيم في النوادر نحوه
[ ١ / ٨٤ ]
عمارة وعمارة الآخرة العقل ولكل امرىء عقب ينسب إليه ويذكر به وعقب الصديقين الذيينسبون إليه ويذكرون به العقل ولكل سفر فسطاط وفسطاط المؤمنين العقل (١) وقال ﷺ إن أحب المؤمنين إلى الله ﷿ من نصب في طاعة الله ﷿ ونصح لعباده وكمل عقله ونصح نفسه فأبصر وعمل به أيام حياته فأفلح وأنجح (٢) وقال ﷺ أتمكم عقلًا أشدكم لله تعالى خوفًا وأحسنكم فيما أمركم به ونهى عنه نظرًا وإن كان أقلكم تطوعًا (٣)