الأولى أن يعلم إن الله ﷿ أوجب صرف الزكاة إليه ليكفي همه ويجعل همومه همًا واحدًا فقد تعبد الله ﷿ الخلق بأن يكون همهم واحدًا وهو الله سبحانه واليوم الآخر وهو المعني بقوله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ ولكن لما اقتضت الحكمة أن يسلط على العبد الشهوات والحاجات وهي تفرق همه
[ ١ / ٢٢٢ ]
اقتضى الكرم إفاضة نعمة تكفي الحاجات فأكثر الأموال وصبها في أيدي عباده لتكون آلة لهم في دفع حاجاتهم ووسيلة لتفرغهم لطاعاتهم فمنهم من أكثر ماله فتنة وبلية فأقحمه في الخطر ومنهم من أحبه فحماه عن الدنيا كما يحمي المشفق مريضه فزوى عنه فضولها وساق إليه قدر حاجته على يد الأغنياء ليكون سهل الكسب والتعب في الجمع والحفظ عليهم وفائدته تنصب إلى الفقراء فيتجردون لعبادة الله والاستعداد لما بعد الموت فلا تصرفهم عنها فضول الدنيا ولا تشغلهم عن التأهب الفاقة وهذا منتهى النعمة فحق الفقير أن يعرف قدر نعمة الفقر ويتحقق أن فضل الله عليه فيما زواه عنه أكثر من فضله فيما أعطاه كما سيأتي في كتاب الفقر تحقيقه وبيانه إن شاء الله تعالى فليأخذ ما يأخذه من الله سبحانه رزقًا له وعونًا له على الطاعة ولتكن نيته فيه أن يتقوى به على طاعة الله فإن لم يقدر عليه فليصرفه إلى ما أباحه الله ﷿ فإن استعان به على معصية الله كَانَ كَافِرًا لِأَنْعُمِ اللَّهِ ﷿ مُسْتَحِقًّا لِلْبُعْدِ وَالْمَقْتِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ
الثَّانِيَةُ أَنْ يَشْكُرَ الْمُعْطِيَ وَيَدْعُوَ لَهُ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ وَيَكُونَ شكره ودعاؤه بحيث لا يخرجه عَنْ كَوْنِهِ وَاسِطَةً وَلَكِنَّهُ طَرِيقُ وُصُولِ نِعْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ وَلِلطَّرِيقِ حَقٌّ مِنْ حَيْثُ جَعَلَهُ اللَّهُ طَرِيقًا وَوَاسِطَةً وَذَلِكَ لَا يُنَافِي رُؤْيَةَ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَالَ ﷺ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ (١) وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ ﷿ عَلَى عِبَادِهِ فِي مَوَاضِعَ عَلَى أعمالهم وهو خالقها وفاطر القدرة عليها نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ إلى غير ذلك
وليقل القابض في دعائه طهر الله قلبك في قلوب الأبرار وزكى عملك في عمل الأخيار وصلى على روحك في أرواح الشهداء وَقَدْ قَالَ ﷺ مَنْ أَسْدَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قَدْ كَافَأْتُمُوهُ (٢) وَمِنْ تَمَامِ الشُّكْرِ أَنْ يَسْتُرَ عُيُوبَ الْعَطَاءِ إِنْ كَانَ فِيهِ عَيْبٌ وَلَا يُحَقِّرَهُ وَلَا يَذُمَّهُ وَلَا يُعَيِّرَهُ بِالْمَنْعِ إِذَا منع ويفخم عند نَفْسَهُ وَعِنْدَ النَّاسِ صَنِيعَهُ
فَوَظِيفَةُ الْمُعْطِي الِاسْتِصْغَارُ وَوَظِيفَةُ الْقَابِضِ تَقَلُّدُ الْمِنَّةِ وَالِاسْتِعْظَامِ وَعَلَى كُلِّ عبد القيام بحقه وذلك لا تناقض فيه إذ موجبات التصغير والتعظيم تتعارض
والنافع للمعطي ملاحظة أسباب التصغير ويضره خلافه والآخذ بالعكس منه وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُنَاقِضُ رُؤْيَةَ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ ﷿ فَإِنَّ مَنْ لَا يَرَى الْوَاسِطَةَ وَاسِطَةً فَقَدْ جَهِلَ وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ أَنْ يَرَى الْوَاسِطَةَ أَصْلًا
الثَّالِثَةُ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا يأخذه فإن لم يكن من حل تورع عنه ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ ولن يعدم المتورع عن الحرام فتوحًا من الحلال فلا يأخذ من أموال الأتراك والجنود وعمال السلاطين ومن أَكْثَرُ كَسْبِهِ مِنَ الْحَرَامِ إِلَّا إِذَا ضَاقَ الأمر عليه وكان ما يسلم إليه لَا يَعْرِفُ لَهُ مَالِكًا مُعَيَّنًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَإِنَّ فَتْوَى الشَّرْعِ فِي مثل هذا أن يتصدق به على ما سيأتي بيانه في كتاب الحلال والحرام وذلك إذا عجز عن الحلال فإذا أخذ لم يكن أخذه أخذ زكاة إذ لا يقع زكاة عن مؤديه وهو حرام
الرَّابِعَةُ أَنْ يَتَوَقَّى مَوَاقِعَ الرِّيبَةِ وَالِاشْتِبَاهِ فِي مِقْدَارِ مَا يَأْخُذُهُ فَلَا يَأْخُذُ إِلَّا الْمِقْدَارَ الْمُبَاحَ وَلَا يَأْخُذُ إِلَّا إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ موصوف بصفة الاستحققا فإن كان يأخذه بالكتابة والغرامة فلا يزيد على مقدار الدين وإن كان يأخذ بالعمل فلا يزيد على أجرة المثل وإن أعطى زيادة أبى وامتنع إذ ليس المال للمعطي حتى يتبرع به وإن كان مسافرًا لم يزد على الزاد وكراء الدابة إلى مقصده وإن كان غازيًا لم يأخذ إلا ما يحتاج إليه للغزو خاصة من خيل وسلاح ونفقة
وتقدير ذلك بالاجتهاد وليس له حد وكذا زاد السفر والورع ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه
وإن أخذ بالمسكنة فلينظر أولاالى أثاث بيته وثيابه
_________________
(١) حديث مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ أخرجه الترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد وله ولأبي داود وابن حبان نحوه من حديث أبي هريرة وقال حسن صحيح
(٢) حديث من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عمر بإسناد صحيح بلفظ من صنع
[ ١ / ٢٢٣ ]
وكتبه هل فيها ما يستغنى عنه بعينه أو يستغنى عن نفاسته فيمكن أن يبدل بما يكفي ويفضل بعض قيمته وكل ذلك إلى اجتهاده وفيه طرف ظاهر يتحقق معه أنه مستحق وطرف آخر مقابل يتحقق معه أنه غير مستحق وبينهما أوساط مشتبهة ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه والاعتماد في هذا على قول الآخذ ظاهرًا وللمحتاج في تقدير الحاجات مقامات في التضييق والتوسيع ولا تحصر مراتبه وميل الورع إلى التضييق وميل المتساهل إلى التوسيع حتى يرى نفسه محتاجًا إلى فنون من التوسع وهو ممقوت في الشرع
ثُمَّ إِذَا تَحَقَّقَتْ حَاجَتُهُ فَلَا يَأْخُذَنَّ مَالًا كَثِيرًا بَلْ مَا يُتَمِّمُ كِفَايَتَهُ مِنْ وَقْتِ أَخْذِهِ إِلَى سَنَةٍ
فَهَذَا أَقْصَى مَا يُرَخَّصُ فيه من حيث أن السنة إذا تكررت تكررت أسباب الدخل ومن حَيْثُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ادخر لعياله قوت سنة (١) فهذا أقرب ما يحد به حد الفقير والمسكين ولو اقتصر على حاجة شهره أو حاجة يومه فهو أقرب للتقوى
ومذاهب العلماء في قدر المأخوذ بحكم الزكاة والصدقة مختلفة فمن مبالغ في التقليل إلى حد أوجب الاقتصار على قدر قوت يومه وليلته وتمسكوا بما روى سهل بن الحنظلية أنه ﷺ نهى عن السؤال مع الغنى فسئل عن غناه فقال ﷺ غداؤه وعشاؤه (٢) وقال آخرون يأخذ إلى حد الغنى
حد الغنى نصاب الزكاة إذ لم يوجب الله تعالى الزكاة إلا على الأغنياء فقالوا له أن يأخذ بنفسه ولكل واحد من عياله نصاب زكاة وقال آخرون حد الغنى خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب لما روى ابن مسعود أنه ﷺ قال من سال وله مال يغنيه جاء يوم القيامة وفي وجهه خموش فسئل وما غناه قال خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب (٣) وقيل راويه ليس بقوي وقال قوم أربعون لما رواه عطاء بن يسار منقطعًا أنه ﷺ قال من سال وله أوقية فقد ألحف في السؤال (٤) وبالغ آخرون في التوسيع فقالوا له أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ مَا يَشْتَرِي بِهِ ضَيْعَةً فيستغني به طول عمره أو يهيىء بضاعة ليتجر بها ويستغني بها طول عمره لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْغِنَى وَقَدْ قَالَ عمر ﵁ إِذَا أَعْطَيْتُمْ فَأَغْنُوا حَتَّى ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَنِ افْتَقَرَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ مَا يَعُودُ بِهِ إِلَى مثل حاله ولو عشرة آلاف درهم إلا إذا خرج عن حد الاعتدال
ولما شغل أبو طلحة ببستانه عن الصلاة قال جعلته صدقة
فقال ﷺ اجْعَلْهُ فِي قَرَابَتِكَ فهو خير لك (٥) فأعطاه حسان وأبا قتادة
فَحَائِطٌ مِنْ نَخْلٍ لِرَجُلَيْنِ كَثِيرٌ مُغْنٍ وأعطى عمر ﵁ أعرابيًا ناقة معها ظئر لها فهذا ما حكي فيه فأما التقليل إلى قوت اليوم أو الأوقية فذلك ورد في كراهية السؤال والتردد على الأبواب وذلك مستنكر وله حكم آخر بل التجويز إلى أن يشتري ضيعة فيستغني بها أقرب إلى الاحتمال وهو أيضًا مائل إلى الإسراف
والأقرب إلى الاعتدال كفاية سنة فما وراءه فيه خطر وفيما دونه تضييق
وهذه الأمور إذا لم يكن فيها تقدير جزم بالتوقيف فليس للمجتهد إلا الحكم بما يقع
له ثم يقال للورع استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك (٦) كما قاله ﷺ إذ الإثم حزاز القلوب فإذا وجد القابض في نفسه شيئًا مما يأخذه فليتق الله فيه ولا يترخص تعللا بالفتوى من
_________________
(١) حديث ادخر لعياله قوت سنة أخرجاه من حديث عمر كان يعزل نفقة أهله سنة وللطبراني في الأوسط من حديث أنس كان إذا ادخر لأهله قوت سنة تصدق بما بقي قال الذهبي حديث منكر
(٢) حديث سهل بن الحنظلية في النهي عن السؤال مع الغنى فيسأل ما يغنيه فقال غداؤه وعشاؤه أخرجه أبو داود وابن حبان بلفظ من سأل وله ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم الحديث
(٣) حديث ابن مسعود من سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وفي وجهه خموش الحديث أخرجه أصحاب السنن وحسنه الترمذي وضعفه النسائي والخطابي
(٤) حديث عطاء بن يسار منقطعًا من سأل وله أوقية فقد ألحف في السؤال أخرجه أبو داود والنسائي من رواية عطاء عن رجل من بني أسد متصلا وليس بمنقطع كما ذكر المصنف لأن الرجل صحابي فلا يضر عدم تسميته وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث أبي سعيد
(٥) حديث لما شغل أبا طلحة بستانه عن الصلاة قال جعلته صدقة تقدم في الصلاة
(٦) حديث استفت قلبك وإن أفتوك تقدم في العلم
[ ١ / ٢٢٤ ]
علماء الظاهر فإن لفتواهم قيودًا ومطلقات من الضرورات وفيها تخمينات واقتحام شبهات
والتوقي من الشبهات من شيم ذوي الدين وعادات السالكين لطريق الآخرة
الخامسة أن يسأل صاحب المال عن قدر الواجب عليه فإن كان ما يعطيه فوق الثمن فلا يأخذه منه فإنه لا يستحق مع شريكه إلا الثمن فلينقص من الثمن مقدار ما يصرف إلى اثنين من صنفه وهذا السؤال واجب على أكثر الخلق فإنهم لا يراعون هذه القسمة إما لجهل وإما لتساهل وإنما يجوز ترك السؤل عن مثل هذه الأمور إذا لم يغلب على الظن احتمال التحريم وسيأتي ذكر مظان السؤال ودرجة الاحتمال في كتاب الحلال والحرام إن شاء الله تعالى