وسنعود إلى تمام الكلام في هذا الباب في باب ذكر علاج مرض القلب بحب الدنيا إن شاء الله تعالى؛ إذ المقصود بيان أن من أحب شيئًا سوى الله تعالى، ولم تكن محبته له لله، ولا لكونه معينًا له على طاعة الله، عُذِّب به في الدنيا قبل اللقاء. كما قيل (^١):
أَنْتَ القَتِيلُ بِكُلِّ مَنْ أَحْبَبْتَهُ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ في الهَوَى مَنْ تَصْطَفِي
فإذا كان يومُ المعاد ولَّى الحكَمُ العدلُ سبحانه كلَّ محب ما كان يحبه في الدنيا؛ فكان معه إما منعَّمًا أو معذبًا، ولهذا «يُمثَّل لمحبِّ المالِ مالُه شجاعًا أقرع، يأخذ بلِهْزِمَتِه، يقول: أنا مالُك، أنا كنزك، وتُصَفّح له صفائحُ من نارٍ، فيُكْوَى بها جَبينه وجَنبه وظهره» (^٢)، وكذلك عاشق الصُّوَر إذا اجتمع هو ومعشوقه على غير طاعة الله، جُمِع بينهما في النار، وعُذِّب كل منهما بصاحبه، قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وأخبر سبحانه أن الذين توادُّوا في الدنيا على الشرك، يَكْفُرُ بعضهم ببعض يوم القيامة، ويَلْعنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ومأواهُمْ النارُ وما لهم [١٢ أ] من ناصرين.
فالمحب مع محبوبه دنيا وأخرى، ولهذا يقول تعالى يوم القيامة للخلق: «أليس عدلًا مني أن أُولِّي كلَّ رجلٍ منكم ما كان يتولى في دار الدنيا؟» (^٣)،
_________________
(١) البيت لابن الفارض في ديوانه (ص ١٥١)، وهو بلا نسبة في روضة المحبين (ص ١١٠، ٥٧٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٠٣)، ومسلم (٩٨٧) عن أبي هريرة في حديث طويل.
(٣) روى الطبراني في الأوسط (٨١) من حديث أبي موسى ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: «يحشر الناس يوم القيامة، فينادي منادٍ: أليس عدلًا مني أن أولِّيَ كلَّ قوم ما كانوا يعبدون؟» الحديث. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٦٢١): «رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه فرات بن السائب وهو ضعيف».
[ ١ / ٦١ ]
وقال النبي -ﷺ-: «المرء مع من أحب» (^١). وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]، وقال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٥]، قال عمر بن الخطاب ﵁: أزواجهم أشباههم ونظراؤهم (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]، فقرن كل شكل إلى شكله، وجعل معه قرينا وزوجا: البر مع البر، والفاجر مع الفاجر.
والمقصود أن من أحب شيئا سوى الله تعالى فالضرر حاصل له بمحبوبه، إن وُجد وإن فُقد؛ فإنه إنْ فَقَدَه عُذِّب بفواته، وتألم على قدر تعلُّق قلبه به، وإن وجده كان ما يحصل له من الألم قبل حصوله، ومن النكد في حال حصوله، ومن الحسرة عليه بعد فواته، أضعافُ أضعافِ ما في حصوله له من اللذة:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤١) عن أبي موسى الأشعري.
(٢) رواه ابن منيع - كما في المطالب العالية (٤/ ١٤٧) - بلفظ: «أزواجهم أشباههم»، وصححه ابن حجر. ورواه ابن جرير في تفسيره (٢١/ ٢٧، ٢٤/ ٢٤٤) ولفظه: «وأزواجَهم ضُرباءَهم». وعزاه في الدر المنثور (٧/ ٨٣) لعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث، ولفظه: «أمثالهم الذين هم مثلهم»، وصححه الحاكم (٣٦٠٩).
[ ١ / ٦٢ ]