إذا رضي أدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب أخرجه غضبه من الحق».
ولما كان الفقر والغنى مِحْنتين وبَلِيَّتَيْنِ، يبتلي الله بهما عبده، ففي الغنى يبسط يده، وفي الفقر يقبضها، سأل الله القصد في الحالين، وهو التوسط الذي ليس معه إسراف ولا تقتير.
ولما كان النعيم نوعين: نوعًا للبدن، ونوعًا للقلب؛ وهو قرة العين، وكماله بدوامه واستمراره، جمع بينهما في قوله: «أسألك نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع».
ولما كانت الزينة زينتين: زينة البدن، وزينة القلب؛ وكانت زينة القلب أعظمهما قدرًا وأجلهما خطرًا، وإذا حصلت حصلت زينة البدن على أكمل الوجوه في العُقْبَى، سأل ربه الزينة الباطنة فقال: «زيِّنَّا بزينة الإيمان».
ولما كان العيش في هذه الدار لا يبرُد لأحد كائنًا من كان، بل هو محشوٌّ بالغُصَص والنكد، ومحفوف بالآلام الباطنة والظاهرة، سأل بردَ العيش بعد الموت.
والمقصود أنه جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا، وأطيب ما في الآخرة. فإن حاجة العباد إلى ربهم في عبادتهم إيّاه وتأَلُّهِهِمْ له كحاجتهم إليه في خلقه لهم، ورِزْقه إياهم، ومعافاة أبدانهم، وستر عوراتهم، وأمن روعاتهم، بل حاجتهم إلى تأَلُّهِه ومحبته وعبوديته أعظم؛ فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، ولا صلاح لهم، ولا نعيم ولا فلاح، ولا لذة ولا سعادة بدون ذلك بحال.
ولهذا كانت «لا إله إلا الله» أحسن الحسنات، وكان توحيد الإلهية رأس
[ ١ / ٤٤ ]
الأمر. وأما توحيد الربوبية ــ الذي أقر به المسلم والكافر، وقرره أهل الكلام في كتبهم ــ فلا يكفى وحده، بل هو الحُجَّةُ عليهم، كما بيّن ذلك سبحانه في كتابه في عدة مواضع.
ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، كما في الحديث الصحيح (^١) الذي رواه معاذ بن جبل ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: «أتدري ما حق الله على عباده؟»، قلت: الله ورسوله أعلم! قال: «حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟»، قلت: الله ورسوله أعلم! قال: «حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار».
ولذلك يُحِبُّ سبحانه عباده المؤمنين الموحِّدين ويفرح بتوبتهم، كما أن في ذلك أعظم لذّة العبد وسعادته ونعيمه، فليس في الكائنات (^٢) شيء غير الله سبحانه يسكن القلب إليه، ويطمئن به، ويأنس به، ويتنعَّم بالتوجه إليه! ومن عبد غيره سبحانه، وحصل له به نوع منفعة ولذة؛ فمضرته بذلك أضعاف أضعاف منفعته، وهو بمنزلة أكل الطعام [٩ أ] المسموم اللذيذ، وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما إله غيره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله فسد فسادًا لا يُرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون الله وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه، ويرجوه، ويخافه، ويتوكل عليه، وينيب إليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠).
(٢) «في الكائنات» ساقطة من الأصل.
[ ١ / ٤٥ ]