عندهم عن أنبيائهم؛ من غير تلقٍّ من رسول الله -ﷺ- عنهم، فتقوم الحجة على مُعانِدهم، وينقاد للإيمان من يريدُ (^١) الله أن يهديه.
وزيادة إيمان الذين آمنوا؛ بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به.
وانتفاءُ الرَّيْبِ عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المؤمنين لكمال (^٢) تصديقهم به.
فهذه أربع (^٣) حِكَم: فتنة الكفار، ويقين أهل الكتاب، وزيادة إيمان المؤمنين، وانتفاء الريب عن المؤمنين وأهل الكتاب.
الخامسة: حيرة الكافر ومن في قلبه مرض، وعَمِيَ قلبه عن المراد بذلك، فيقول: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
وهذه حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها: قلب يفتتن به كفرًا وجحودًا، وقلب يزداد به إيمانًا وتصديقًا، وقلب يتيقَّنه، فتقوم عليه الحجة به، وقلب يوجب له حيرة وعمًى، فلا يدرى ما يراد به.
واليقين وعدم الريب في هذا الموضع: إن رجعا إلى شيء واحد كان ذكر عدم الريب مقرِّرًا لليقين، ومؤكدًا له، ونافيًا عنه ما يُضادُّه بوجه من الوجوه، وإن رجعا إلى شيئين بأن يكون اليقين راجعًا إلى الخبر المذكور عن عدَّة (^٤) الملائكة، وعدم الريب عائدًا إلى عموم ما أخبر الرسول به؛
_________________
(١) الأصل: "يرد".
(٢) م: "لإكمال".
(٣) الأصل: "أربعة".
(٤) م: "هذه". وهو تحريف.
[ ١ / ٢٠ ]
لدلالة هذا الخبر الذي لا يُعلم إلا من جهة الرسول على صدقه، فلا يرتاب من قد عرف صحة هذا الخبر بعدُ في صدق الرسول -ﷺ-= ظهرت فائدة ذكره.
والمقصود ذكر مرض القلب وحقيقته.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]؛ فهو شفاء لما في الصدور من مرض الجهل والغَيّ، فإن الجهل مرض؛ شفاؤه العلم والهدى، والغي مرض؛ شفاؤه الرشد. وقد نزّه الله سبحانه نبيَّه -ﷺ- عن هذين الداءين، فقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١، ٢]، ووصف رسوله -ﷺ- خلفاءه بضدهما فقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" (^١)، وجعل كلامه سبحانه موعظة للناس عامة، وهدى ورحمة
_________________
(١) رواه أحمد (٤/ ١٢٦، ١٢٧)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢، ٤٣، ٤٤)، وغيرهم من حديث العرباض بن سارية ﵁، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه البزار كما في جامع بيان العلم (٢/ ٣٤٨)، وأبو العباس الدغولي كما في إجمال الإصابة (ص ٤٩)، وابن حبان (٥)، والحاكم (١/ ١٧٤)، وأبو نعيم كما في جامع العلوم والحكم (ص ٢٥٨)، وابن عبد البر (٢/ ١٨٢، ٣٤٨)، والجوزقاني في الأباطيل والمناكير (١/ ٤٧٢)، وابن تيمية في منهاج السنة (٤/ ١٦٤) وفي غيره، والذهبي في السير (١٨/ ١٩٠)، وابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٥٨٢)، والعراقي في الباعث على الخلاص (١)، وابن حجر في موافقة الخُبر الخَبر (١/ ١٣٦)، والشوكاني في إرشاد الفحول (١/ ٩٥، ٢٢١، ٢/ ١٨٩)، وحسّنه ابن القيم في إعلام الموقعين (٤/ ١٤٠)، وهو في السلسلة الصحيحة (٩٣٧، ٢٧٣٥).
[ ١ / ٢١ ]