إن القرآن أصبح اليوم بين المسلمين حاضرًا وغائبًا .. موجودًا ومفقودًا في نفس الوقت فهو حاضر وموجود بلفظه ومصاحفه وقرائه وحفاظه .. غائب ومفقود بروحه ومعجزته وقيادته للحياة.
فلا هو حاضر معنا حضورًا حقيقيًا، ولا هو غائب عنا غيابًا تامًا، وهذه أهم عقبة تواجه الأمة وتمنعها من الانتفاع به انتفاعًا حقيقيًا، لأن الكثيرين لا يرون أن هناك مشكلة مع القرآن وذلك بسبب حضوره بيننا -كما أسلفنا-.
يقول حسن البنا ﵀: لم ينزل القرآن من علياء السماء على قلب محمد ﷺ ليكون تميمة يُحتجب بها، أو أورادًا تُقرأ على المقابر وفي المآتم أو ليُكتب في السطور، ويُحفظ في الصدور، أو ليحمل أوراقًا ويُهمل أخلاقًا، أو ليحفظ كلامًا ويُهجر أحكامًا وإنما نزل ليهدي البشرية إلى السعادة والخير ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦،١٥] (٢).
_________________
(١) كيف نتعامل مع القرآن، ص (٥٩).
(٢) نظرات في كتاب الله، ص ٣٤.
[ ٤٦ ]
ويقول: (عرف سلفنا الصالح رضوان الله عليهم فضل القرآن وتلاوته، فجعلوه مصدر تشريعهم، ودستور أحكامهم، وربيع قلوبهم، وورد عبادتهم، وفتحوا له قلوبهم وتدبروه بأفئدتهم، وتشربت معانيه السامية أرواحهم، فأثابهم الله في الدنيا سيادة العالم، ولهم في الآخرة عظيم الدرجات، وأهملنا القرآن فوصلنا إلى ما وصلنا إليه من ضعف في الدنيا ورقة في الدين) (١).