بعد أن نرى المعجزة القرآنية، ونشعر بروحها وعلاماتها من انتباه ويقظة، ومن قلة رغبة في الدنيا، ومن تعلق بالآخرة ومع استمرار هذا الشعور معنا، فمن المقترح أن نقوم بهذه الأعمال:
أولًا: أن نقوم بنشر هذا المفهوم الجديد للتعامل مع القرآن لمن حولنا للزوجة والأولاد والأهل والمعارف والأصدقاء، وأن نأخذ بأيديهم حتى يصلوا إلى ما وصلنا إليه، ليقوموا هم بعد ذلك بنشره إلى من حولهم.
ثانيًا: ومن الوسائل المهمة كذلك والتي من شأنها أن تُسرع الخطى نحو انتشار روح القرآن في الأمة: اهتمام المربين بهذا الأمر، ووضعه في برامجهم التربوية، وبخاصة أن القرآن تلاوة وحفظًا وتفسيرًا يحتل مساحة معتبرة في هذه البرامج
[ ٥٠ ]
كل ما هو مطلوب هو زيادة الاهتمام به، وأن يكون الهدف الذي يسعى الجميع إليه هو السعي وراء التأثر، مع القراءة اليومية الطويلة ليتم من خلالها توليد القوة الروحية الدافعة للقيام بالواجبات المختلفة، مع الأخذ في الاعتبار أنه ينبغي على المربين أن يبدأوا بأنفسهم أولًا، فهذا أمر لا يصلح له إلا من عايشه، وعاين المعجزة بنفسه.
ولو قام المربون بذلك، وانتشر مفهوم التعامل الصحيح مع القرآن في المحاضن التربوية فلا تسل عن النتائج المبهرة التي ستحدث، ولا عن الذاتية والإيجابية التي سيثمرها في الأفراد، وسينعكس ذلك على العمل فيزداد النتاج، وتزداد خطوات البناء في مشروع الإصلاح الشامل المتكامل الذي تتبناه الحركة الإسلامية، ويقترب تحقيق الوعد الإلهي ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ - وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٥، ٦]
ولقد كان الإمام حسن البنا - ﵀ - شديد العناية بالقرآن وبضرورة الانتفاع به كروح ودستور للحياة تأمل معي قوله:
فليس المقصود من القرآن: مجرد التلاوة، أو التماس البركة، وهو مبارك حقًا، ولكن بركته الكبرى في تدبره، وتفهم معانيه ومقاصده، ثم تحقيقها في الأعمال الدينية والدنيوية على السواء، ومن لم يفعل ذلك، أو اكتفى بمجرد التلاوة بغير تدبر ولا عمل، فإنه يُخشى أن يحق عليه الوعيد الذي يرويه البخاري عن حذيفة رضي الله: «يا معشر القراء: استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا» (١)، وتحذير رسول الله ﷺ الخطير عندما نزلت عليه خواتيم سورة آل عمران فقال: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتدبرها».
ولقد كان حريصًا - ﵀ - على أن يدل الناس ويرشدهم للوسائل المعينة على فهم القرآن والتأثر به، وفي ذلك يقول:
واجتهد أن تقرأ القرآن في الصلاة وغيرها على مُكث وتمهل وخشوع وتذلل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتُعطي التلاوة حقها من التجويد والنغمات، من غير تكلف ولا تطريب، أو اشتغال بالألفاظ عن المعاني، مع رفع الصوت المعتدل في التلاوة العادية أو الصلاة الجهرية، فإن ذلك يُعين على الفهم، ويُثير ما غاص من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضل من تلاوة في تدبر وخشوع (٢).
ثالثًا: ومن الوسائل المهمة كذلك في تفعيل هذا المشروع: إقامة مراكز قرآنية نموذجية تهتم بتحقيق المعجزة وتخريج نماذج قرآنية تمشي على الأرض، وإليك أخي القارئ المزيد من التفاصيل حول طبيعة ودور هذه المراكز
_________________
(١) نظرات في كتاب الله، ص (٨٨).
(٢) حسن البنا ومنهجه في التفسير /١٠٠.
[ ٥١ ]