إذن فالأسباب ستار لابد من إقامته ليتنزل عليه القدر هذا الستار يبدأ بالأسباب المادية المتاحة أولًا، ثم بالمعنوية ثانيًا، كما قال ﷺ للرجل الذي ترك دابته دون عقال: «اعقلها وتوكل». (٢)
فإن اقتصر الستار على الأسباب المادية كان حجمه محدودًا ونتائجه محدودة.
وإن حاول الإنسان إقامته من الأسباب المعنوية فقط دون استخدام الأسباب المادية المتاحة أمامه فهذا سوء أدب مع الله، ولن يتحقق له ما يريد لأنه خالف بذلك القوانين التي وضعها الله ﷿ لإقامة الحياة والوصول إلى النتائج.
وإن جمع بين الاثنين فهو بذلك يزيد من حجم الستار فيتنزل القدر بنتائج لا حدود لها تأمل قوله ﷺ: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا». (٣)
مع ملاحظة أن تغدو وتروح هي الأسباب المطلوب من الطير أن تفعلها وتأخذ بها فقط.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه الترمذي وقال حديث حسن.
(٣) رواه الترمذي (٢٣٤٥) وقال: حديث حسن، وأخرجه أحمد ١/ ٣٠، وابن ماجه (٤١٦٤). ومعنى خماصًا: أي ضامرة البطون من الجوع، وبطانًا: أي ممتلئة البطون.
[ ٦ ]
ومن الأمثلة التي تؤكد هذا المعنى: شكوى الصحابة من قلة الماء واحتياجهم للشرب والوضوء، فماذا فعل ﷺ؟ أقام الستار بالأسباب المادية أولًا: طلب الماء القليل الموجود، ثم وضع يده الشريفة فيه ودعا الله بعد ذلك، فنبع الماء من بين أصابعه، وشرب الجميع وتوضأوا (١)
وكذلك ما حدث لمريم الصدِّيقة حين جاءها المخاض وهي تستند بظهرها على جذع نخلة لا ثمر فيها، فطلب الله منها أن تهز الجذع بيدها كستار مادي، مع توكلها المطلق على الله ﷿ كستار معنوي ليتنزل القدر ويسقط الرطب ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥].
وعندما أمر الله ﷿ إبراهيم ﵇ أن ينادي على الناس، داعيًا إياهم إلى الحج ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧]. قال ﵇: يارب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال تعالى: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجوه، فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب .. (٢)
فإن قلت ولماذا يُبدأ بالأسباب المادية لتكوين الستار؟
لأن الأسباب المادية جعلها الله متاحة للجميع .. المؤمن والكافر، وبالتالي يمكن لأي إنسان أن يحصل على النتائج من خلالها، ولو كانت البداية بالأسباب المعنوية لحُرم الكافر من النتائج التي تكفل له العيش وتوفر له الاحتياجات الأساسية، ومن ثمَّ فإنه لن يأخذ فرصته الكاملة في التعرف على الله وتوحيده وعبادته.