هذا القرآن جعل قلب الجبير بن مطعم كاد يطير عندما استمع إلى بعض آياته ففي البخاري عن محمد بن جبير عن أبيه - ﵁ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي (٣) .. وفي رواية: فلم بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي أن يطير (٤).
هذا القرآن وقوة تأثيره واستحواذه على المشاعر وسيطرته عليها هو الذي جعل رسولنا ﷺ يردد في قيامه طيلة الليل قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨].
_________________
(١) يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: يقول تعالى مادحًا للقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ومفضلًا له على سائر الكتب المنزلة قبله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره. وجاء في سبب نزول هذه الآية أن كفار مكة قالوا لمحمد ﷺ: لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع، فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه، فأنزل الله هذه الآية.
(٢) صحيح، رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٧٢٣).
(٣) رواه البخاري رقم (٣٧٩٨).
(٤) رواه البخاري رقم (٤٥٧٣).
[ ٢٢ ]
قوة تأثير هذه المعجزة الجبارة هي التي جعلت عبَّاد بن بشر يتحمل ألم إصابته بالسهام الثلاثة، التي أطلقها عليه أحد المشركين وهو قائم يصلي ويتلو آيات القرآن، فلم يقطع قراءته إلا خشية تعرض المسلمين للخطر وذلك في غزوة ذات الرقاع ..
هذا القرآن استمع إليه نفر من النصارى الذين يبحثون عن الهُدى فماذا حدث لهم؟
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣].
وليس هذا في عالم الإنس فقط، فحين استمع إليه نفر من الجن كان قولهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ﴾ [الجن: ١ - ٢].
إنه شيء لا يمكن للعقل للبشري القاصر أن يدرك أبعاده ومدى قوة تأثيره ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
إذن فالقرآن الذي بين أيدينا هو الذي تحتاج إليه الأمة جمعاء، ليكون بمثابة المصدر والمولد للطاقة والقوة الروحية بقدرته الفذة على التأثير في المشاعر.
القرآن وحقائقه التي بينها رسول الله ﷺ هو الذي يصلح لكي يكون بداية قوية لنهضة الأمة .. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩].
أخي ..
يقول لنا ربنا: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥١].
فبماذا نجيبه؟!
نعم يا رب يكفينا، يكفينا «سمعنا وأطعنا».
ولقد أدرك الإمام المجدد حسن البنا ﵀ هذه الحقيقة تمامًا، وجعلها غاية في حركة هذه الجماعة تأمل قوله: أنتم روح جديد يسري في جسد هذه الأمة ليحييها بالقرآن.
* * *
[ ٢٣ ]