يطلب الإسلام من المسلم أن يؤدي كل عمل يناط به- دينيًّا أو دنيويًّا- بإخلاص وإتقان وإحسان على الوجه الأكمل، ومن ذلك المهام الوظيفية، فهي تدخل في الكسب الحلال، والإخلال بواجباتها يدخل في نطاق الحرام.
فالمحافظة على ساعات العمل كاملة واستنفادها في أدائه، وبذل الجهد في هذا العمل، وعدم استغلاله في منافع شخصية أو مكاسب خارجة عن نطاق الراتب الوظيفي، كل هذا وغيره يعد إتقانًا للعمل وإحسانًا فيه.
وحقيقة هذا الإحسان كما فسره النبي - ﷺ -: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١). وأداء الواجب الوظيفي المشروع (٢) لون من ألوان العبادة، ولقد أثنى الله تعالى على من يحسنون العمل للدين والدنيا، وبين أنهم مجزيون عليه الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة.
فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
وقد أمرنا تعالى بهذا الإحسان والإتقان، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠].
وأخبر ﷾ أنه يشهد كل عمل نعمله ولا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء فقال:
_________________
(١) من حديث الإسلام والإيمان والإحسان، الإمام مسلم: أبو الحسين ابن الحجاج القشيري النيسابوري الصحيح، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نسخة مصورة عن طبعة القاهرة سنة ١٤٠٠ هـ ج ١ ص ٢٦.
(٢) احتراز عن الوظيفة غير المشروعة كالعمل في ملهى أو مصرف ربوي.
[ ٥٤ ]
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] (١).
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥].
﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦].
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].
هذه الآيات وأمثالها توجب على المسلم أن يكون أمينًا على عمله مخلصًا فيه، متقنًا له، لأنه يؤمن ويعتقد أنه بمرأى من الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى السنة النبوية فإننا نجد الكثير، ومن ذلك:
١ - ما رواه شداد بن أوس - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (٢).
_________________
(١) وفي الآية دليل على الإحسان ومنه إتقان العمل الوظيفي.
(٢) مسلم ج ٣ ص ١٥٤٨ رقم ١٩٥٥ (وصححه المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني عن أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، انظر صحيح الجامع الصغير وزيادته الفتح الكبير، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق الطبعة الأولى ١٣٨٨ هـ ج ٢ ص ١٢١ رقم ١٧٩١).
[ ٥٥ ]
٢ - وما رواه البيهقي في الشعب عن كليب أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن» (١).
٣ - وفي رواية عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (٢).
ومن هذا الإحسان الذي كتبه الله تعالى على كل شيء، والذي يحبه تعالى ويأمر به: الإحسان في أداء المهام الوظيفية، بأدائها على خير وجه، وعدم الإتجار بها أو التقصير فيها، أو استغلالها في الحصول على كسب غير مشروع من خلالها.