لا شك أن أكل المال بالباطل، واكتسابه من طريق غير مشروع ظلم للآخر، وتعد على حقه، وهذا الظلم يأتي جزاؤه مضاعفًا يوم القيامة.
والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، وفسره إياس بن معاوية وغيره بأنه: التصرف في ملك الغير بغير إذنه (١).
قلت: والمال الحرام ملك للغير، فيدخل في قول إياس دخولًا أوليًا، وهو حرام على الغير ملكًا وتصرفًا.
وقد لعن الله تعالى الظالمين في قوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]. واستحقوا هذه اللعنة جزاء لما ارتكبته أيديهم الآثمة من ظلم العباد، والله تعالى غير غافل عما يعمله الظالمون، ومعنى هذا مؤاخذته سبحانه لهم يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢].
والظالم يتخلى عنه الصديق والحميم والقريب في الدنيا، وليس له ناصر ولا شفيع في الآخرة: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].
_________________
(١) ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم ص ١٩٥.
[ ١٠٨ ]
وقد حرم الله تعالى الظلم على نفسه. وجعله محرمًا بين العباد.
عن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - فيما روى عن الله ﵎: أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا » (١) الحديث.
والظلم يأتي مضاعفًا يوم القيامة:
عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ..» (٢) الحديث.
والله تعالى يملي للظالم ولكن لا يهمله دون عقاب.
عن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ﷿ يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٣).
فهذه أدلة واضحة على تحريم الظلم وأنه يأتي يوم القيامة مضاعفًا، وأن الله تعالى توعد الظالمين بالعقاب الشديد، ولا ريب أن أكل المال الباطل من أنواع هذا الظلم؛ وحقوق العباد لا بد فيها من القصاص، بردها أو الاستحلال من صاحبها، ولا يكفرها التوبة إذ من شروط التوبة رد المظالم إلى أهلها، ولا يكفرها العبادة أو الأعمال الصالحة، بل ولا الجهاد ذروة سنام الإسلام، حتى ولا الاستشهاد في سبيل الله، إذ هي من الحقوق التي لا مناص من استيفائها في الدنيا أو الآخرة.
_________________
(١) مسلم ج ٤ ص ١٩٩٤ رقم ٢٥٧٧.
(٢) مسلم ج ٤ ص ١٩٩٦ رقم ٢٥٧٨.
(٣) مسلم ج ٤ ص ١٩٩٧، ١٩٩٨ رقم ٢٥٨٣.
[ ١٠٩ ]
وسأذكر بعض الأدلة على ذلك:
١ - أخرج البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عرضه أو من شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» (١).
والمال الحرام إذا لم يُردَّ إلى صاحبه فإنه دين يبقى في ذمة آكله، أو هو بمثابة الدَّين، بل أعظم منه حيث لا يكفره شيء حتى ولا الشهادة في سبيل الله أو الجهاد فيه، ولأنه لم يؤخذ ابتداء عن طيب نفس كالدين.
٢ - وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل، فقال: يا رسول الله: أرأيت إن قتلت في سبيل الله: تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: «نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب. مقبل غير مدبر».
ثم قال رسول الله - ﷺ -: «كيف قلت؟» قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإنه جبريل قال لي ذلك» (٢).
٣ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين» (٣).
فهو من حقوق العباد التي لا بد فيها من الرد والاستحلال أخرج الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «الدواوين عند
_________________
(١) الإمام النووي: رياض الصالحين، ص ١١٥ رقم ٢٠٨.
(٢) مسلم ج ٣ ص ١٥٠١ رقم ١٨٨٥ بتصرف.
(٣) مسلم ج ٣ ص ١٥٠٢ رقم ١٨٨٦.
[ ١١٠ ]
الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله
فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢].
وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله من صوم يوم تركه أو صلاة، فإن الله لا يغفر ذلك، ويتجاوز إن شاء.
وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا، فظلم العباد بعضهم بعضًا، القصاص لا محالة» تفرد به أحمد (١).
فلابد إذن من رد الحقوق إلى أهلها في الدنيا أو الاستحلال منها قبل أن تؤخذ منه حسنات في الآخرة، أو يتحمل من أوزار من ظلمه قدرها.
٤ - وشبه النبي - ﷺ - حق الآخرين بأنه قطعة من النار، فيما رواه البخاري ومسلم عن أم سلمة ﵂ (٢).
وأخذ الحقوق من أهلها يوم القيامة يتعدى الإنسان إلى غيره من المخلوقات.
٥ - عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٣).
_________________
(١) راجع ابن كثير، التفسير ج ١ ص ٥٠٨، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بأن في سنده صدقة بن موسى، وفيه يزيد بن بامبوسا فيه جهالة، وقال الهيثمي: في سند أحمد صدقة بن موسى، ضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.
(٢) راجع نص الحديث في اللؤلؤ والمرجان ج ٢ ص ١٩٢ - ١٩٣، رقم ١١١٤. والنووي في رياض الصالحين ص ١٨٨ رقم ٢١٧.
(٣) مسلم ج ٤ ص ١٩٩٧ رقم ٢٥٨٢.
[ ١١١ ]
مما تقدم تبين أن حقوق العباد لا تسقط إلا باستيفائها في الدنيا أو الاستحلال من صاحبها وأنها ظلم للعباد يأتي مضاعفًا يوم القيامة، ومن ذلك المال والكسب الحرام.