أشار الإسلام إلى ضرورة الأخذ بالأسباب في مجال الصناعة بما يحقق التقدم الحضاري والسبق المادي ويعود على البشرية بالخير الوفير، والكسب الحلال كتدبير وقائي من الكسب الحرام.
ويرفع الإسلام من شأن الصناعة فيعدها من أفضل الأعمال.
عن أبي ذر - ﵁ - قال: سألت النبي - ﷺ -: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله» قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها
_________________
(١) انظر حديثين في هذا المعنى، في المرجع المشار إليه ج ٤ ص ٢١ رقم ٩٣٠٢، ٩٣٠٣. ولم أذكرهما لتضعيف العلامة الألباني لهما في ضعيف الجامع الصغير وزيادته الفتح الكبير، المكتب الإسلامي بيروت، دمشق، الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ ج ٢ ص ٣٢٩ رقم ١٢٤٨.
[ ٤٤ ]
ثمنًا، وأنفسها عند أهلها» قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعًا أو تصنع لأخرق» (١) عاجز، أي أن من لم يحسن عمله فهو أخرق.
وقد نوه القرآن الكريم بعدد من الصناعات؛ منها:
أ- السفن:
فقد أشار إلى صناعة السفن، واستخدامها، والانتفاع بها، فقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن: ٢٤]. وقال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧].
وقال: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُر﴾ [القمر: ١٣].
ولفت النظر إليها فقال: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢].
ب- الطائرات:
وأشار ﷾ إلى وسائل النقل الحديثة التي تستخدم في السلم والحرب والنفع والضرر، كالطائرات، بقوله تعالى بعد أن ذكر بعض ما يستخدم في هذا الجانب: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
وكأن الله تعالى يلفت نظر الإنسان إلى شكل الطير وهيئته ليستخدم هذا الشكل، وهذه الهيئة، في صناعة ما يشبهها في الطيران لنفع الإنسان وخدمته، في مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩].
وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩].
_________________
(١) متفق عليه، محمد فؤاد عبد الباقي: اللؤلؤ والمرجان ج ١ ص ١٦ رقم ٥١.
[ ٤٥ ]
فكأن في الآيتين وأشباههما إيحاء إلى الإنسان بالاعتبار والاستفادة.
- وإذا كنا قد أشرنا إلى بعض المواصلات البرية والبحرية والجوية فإن القرآن الكريم قد أشار إلى أن علم الغيب مليء دائمًا بكل جديد وبكل ما لم يكن موجودًا في زماننا كما تشير إليه الآية السابقة ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
جـ- الحديد:
ونوه القرآن الكريم بضرورة استخدام الحديد في مجال التصنيع كمصدر من مصادر القوة، والتقدم والعمران، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد:٢٥].
وقد علم الله صنعة الدروع لنبيه داود ﵇ فقال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَاسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
وقد ألان الله تعالى له الحديد ليسهل استخدامه والانتفاع به فقال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ*أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ (١) وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ (٢) وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١].
وأشاد القرآن بما كان يصنع لسليمان عن طريق تسخير الجن له، فقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ (٣) وَتَمَاثِيلَ (٤) وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ (٥) وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ (٦)﴾ [سبأ: ١٣].
_________________
(١) سابغات: دروع كوامل واقيات.
(٢) قدر في السرد: أحكم دق المسمار في الحلقة.
(٣) محاريب: مساكن وقصور ومعابد.
(٤) تماثيل: صور مجسدة.
(٥) جفان كالجواب: الحوض الذي يجبى فيه الماء.
(٦) قدور: جمع قدر- راسيات: ثابتات لا تتحرك لعظمها.
[ ٤٦ ]
د- التعدين:
وإلى صناعة التعدين أشار القرآن الكريم في قوله: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ (١)﴾ [سبأ: ١٢].
وأشاد بسد ذي القرنين في قوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ (٢) قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٦ - ٩٧].
ويشير سبحانه إلى سبك الذهب والفضة (الحلية) وكذا النحاس والرصاص والحديد (المتاع) في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد: ١٧].
هـ - الغزل والنسيج والحياكة:
ويشير القرآن الكريم إلى تعلم صناعة الغزل والنسيج والحياكة كحاجة ماسة للإنسان في ضرورة الانتفاع بها، فيقول تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦].
ويشير إلى بعض موادها في قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].
كما يشير إلى بعض منافعها: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَاسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١].
وسرابيل الحر: الثياب من القطن والكتان والصوف وسرابيل البأس: الدروع.
_________________
(١) القطر: النحاس.
(٢) الصدفين: الجبلين.
[ ٤٧ ]
وقد ضرب القرآن المثل بهذه الصناعة إشادة بها، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]، وكان بعض النساء في البوادي يغزلن الوبر ويجدلن الشعر بهدف اتقاء الحر والقر.
و- الجلود:
وأشار القرآن الكريم إلى الانتفاع بصناعة الجلود، فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠].
ز- النهضة العمرانية:
وعن البناء والقصور المشيدة والنمو العمراني والحضارة المادية، يلفت القرآن النظر إليها في مثل قوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨].
وقوله: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤].
وقال: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي﴾ [الفجر:٩] أي يقطعون الصخر وينحتونه بالوادي. وقد كان قوم صالح ينحتون البيوت في الصخر والجبال.
وقال أيضا: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ (١) آيَةً (٢) تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩].
ح- الصيد:
وفي مجال الصيد البري والبحري يقول تعالى:
١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤].
_________________
(١) الريع: المكان المرتفع عن مفترق الطرق المشهورة.
(٢) آية: البناء المحكم الهائل.
[ ٤٨ ]
٢ - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤].
٤ - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢].
والحلية هي اللؤلؤ والمرجان؛ ويقول الله تعالى عن استخراجهما:
٥ - ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢].
ط- فضل الصناعة:
ويرى بعض الفقهاء أن الصناعة أطيب المكاسب، مستأنسين بقول النبي - ﷺ -: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده» (١).
ففيه فضل العمل باليد، وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره غيره له، وهو في مقام الاحتجاج على أن الكسب من عمل اليد.
المجتمع الصناعي: ولئن كان العمل غير الذهني لدى الإغريق اليونانية، وصمة اجتماعية يوجب التحقير لصاحبه ويرون أن المواطن الصالح لا يكون من العمال أبدًا، ويرون أن بعض العمال عار، كما كانت نظرة العرب في جاهليتهم.
ولئن كانت النظرة اليهودية إلى العمل على أنه عقوبة، رمى الله بها البشر، جزاء عصيان أبيهم آدم في الجنة، (مع أنهم اليوم من أنشط الشعوب، وأحرصهم على العمل).
_________________
(١) صحيح البخاري بشرح فتح الباري للحافظ ابن حجر: أحمد بن علي، تحقيق الشيخ عبد العزيز بن باز، المطبعة السلفية بمصر ١٣٧٩ هـ، والحديث عن المقدام ج ٤ ص ٣٠٣ وما بعدها رقم ٢٠٧٢ - باب كسب الرجل عمله بيده.
[ ٤٩ ]
ولئن كانت بعض الشعوب الأخرى كذلك يحطون من شأن المجتمع الصناعي لأنه يقضي على القيم الإنسانية في رأيهم.
فإن الإسلام يشيد بالعمل في شتى ميادينه المشروعة، ويعتبر ضروب السعي للمعاش لونا من العبادة، ويرغب فيه، ويحث عليه، ويعتبره من أفضل الأعمال والقربات التي يُؤجَر المرء عليها، وهو فرض على الكفاية بالنسبة لجميع المسلمين، إذ لا بد أن يكون في المجتمع المزارع والتاجر والصانع والموظف، ومن يقوم على كل صغيرة وكبيرة من أحقر الأعمال أعظمها؛ وإلا أثموا جميعًا وتعطلت حياتهم.
ومع هذه الحوافز الإسلامية، فإننا نجد المسلمين في الركب المتأخر في ميدان الصناعة والحضارة المادية وأصبحوا عالة على غيرهم، وهم أصحاب الحضارة العريقة والتاريخ المجيد، وعلى كواهلهم قامت الحضارة الأوروبية المعاصرة.