ليس الإسلام دين بطالة أو تواكل، أو سؤال وكسل وخمول، وإنما هو دين يحفز أتباعه على العمل ويحث عليه، ويمقت الاعتماد على الآخرين،
[ ١٧ ]
فهو يشخص الداء ويضع الدواء، ويتبين مدى حرص الإسلام على الكسب المشروع من الأحاديث التالية:
١ - عن أنس - ﵁ - أن رجلًا من الأنصار، أتى النبي - ﷺ - فسأله فقال: «أما في بيتك شيء؟» قال: بلى: حِلْسٌ (١) نلبس بعضه ونبسط بعضه، وَقَعْبٌ نشرب فيه من الماء، قال ائتني بهما، فأخذهما رسول الله - ﷺ -، وقال: «من يشتري هذين؟» فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال رسول الله - ﷺ -: «من يزيد على درهم. مرتين، أو ثلاثًا»، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه: وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قَدُّومًا فأتني به، فأتاه به، فشد فيه رسول الله - ﷺ -، عودًا بيده، ثم قال: «اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما»، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال له رسول الله - ﷺ -: «هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاث: لذي فقر مدقع (٢) أو لذي غرم (٣) مفظع (٤) أو لذي دم موجع (٥) (٦).»
_________________
(١) حلس: بكسر الحاء. وسكون اللام. وهو كساء غليظ يكون على ظهر البعير، ويحمي به غيره مما يداس ويمتهن من الأكسية.
(٢) الفقر المدقع: بضم الميم وسكون الدال وكسر القاف: الشديد، الملصق صاحبه بالدقعة: وهي الأرض التي لا نبات بها.
(٣) الغرم بضم الغين وسكون الراء: ما يلزم أداؤه تكلفا لا في مقابلة عوض.
(٤) المفظع: الشديد الشنيع.
(٥) ذو الدم الموجع: الذي يتحمل الدية عن قريبه أو حميمه أو نسيبه القاتل، يدفعها إلى أولياء المقتول؛ ولو لم يفعل قُتل قريبه.
(٦) رواه أبو داود والبيهقي بطوله، واللفظ لأبي داود، وأخرج الترمذي والنسائي منه قصة بيع القدح فقط. وقال الترمذي: حديث حسن، نقلًا عن المنذري في الترغيب والترهيب ج ٢ ص ١٤٣ رقم ١٩٩ وج٤ ص ٣ - ٤، رقم ٢٤٦٣ .. وذكره ابن الأثير في جامع الأصول ج ١٠ ص ١٥٦ - ١٥٧ رقم ٧٦٤١. وقال الأرناؤوط: رواه أحمد وابن ماجه.
[ ١٨ ]
ففي الحديث توجيه وحث على العمل، وترك السؤال، وتأنيب على البطالة والاعتماد على الآخرين.
٢ - وفي الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خيرٌ من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه» (١).
فالعمل مهما كان؛ أفضل من سؤال الناس، لأن فيه حفظًا لكرامة المسلم، واستغناءً عنهم.
٣ - وعن رافع بن خديج، من طريق، وللطبراني عن ابن عمر ﵄، من طريق آخر، أن رسول الله - ﷺ - قال: «أطيب الكسل عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور» (٢).
ففيه حث على العمل، والبيع المشروع، وأنه أطيب أنواع الكسب.
ويعتبر الإسلام السعي للكسب من طريق حلال ضربًا من الجهاد في سبيل الله.
٤ - ففي الحديث عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: «.. أما إنه إن كان يسعى على والديه أو أحدهما فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه فهو في سبيل الله» (٣).
_________________
(١) محمد فؤاد عبد الباقي: اللؤلؤ والمرجان، ج ١ ص ٢١٩ رقم ٦١٨. وراجع طرق الحديث ورواياته في جامع الأصول ص ١٤٦ ج ١٠ رقم ٧٦٢٦، ٧٦٢٧. والمنذري في الترغيب والترهيب ج ٢ ص ١٤٤ رقم ١٢٠٠، ١٢٠١.
(٢) علي المتقي، كنز العمال، ج ٤ ص ٤ رقم ٩١٩٦. وصححه المحدث الألباني من الطريقين في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج ٢ ص ١٦٠ رقم ٦٠٧، وقد أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك.
(٣) رواه البيهقي، انظر علي المتقي، كنز العمال، ج ٤ ص ١٠ رقم ٩٢٣٥ وانظر البيهقي في السنن الكبرى ج ٧ ص ٤٧٩، مع اختلاف في اللفظ، وهو مع الجوهر النقي، دار الباز بمكة عن طبعة حيدر آباد الأولى سنة ١٣٠٢ هـ.
[ ١٩ ]
وعمل الرجل بيده أفضل طريق لطلب الكسب الحلال ووقاية له من الحرام، كما يشير إليه الحديث الآتي:
٥ - أخرج البخاري وأحمد عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» (١).
وأكل الحلال الطيب سبب من أسباب دخول الجنة.
٦ - عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أكل طيبًا وعمل في سنة، وأمن الناس بوائقه، دخل الجنة، قالوا يا رسول الله: إن هذا في أمتك كثير، قال: وسيكون في قرون بعدي» (٢).