وإذا كان الإسلام يطلب من المسلم أن يرضى بما قسمه الله له، ويقنع ويكتفي برزقه الحلال، فإنه يطلب منه كذلك أن يعف نفسه عما في أيدي غيره مما لا حق له فيه فيستغني بما أوتي، ولا يطمع في كسب غير مشروع.
_________________
(١) متفق عليه عن أبي هريرة، محمد فؤاد عبد الباقي، اللؤلؤ والمرجان ج ١ ص ٢٢٥ رقم ٦٢٨.
(٢) أخرجه الشيخان والترمذي راجع ابن الأثير، المرجع السابق ج ١ ص ١٤٠ رقم ٧٦٢٠، ومحمد فؤاد، المرجع السابق ج ١ ص ١٢١ رقم ٦٢٤.
(٣) الشيخ محمد السفاريني، غذاء الألباب ج ٢ ص ٢٢٥.
(٤) المرجع السابق ص ٥٢٧.
[ ٢٨ ]
أو زيادة من غير حلها؛ وبذلك يتحقق المطلوب من العفة وهو اليأس وقطع الطمع عما في أيدي الناس.
وقد مدح الله تعالى قومًا اتصفوا بالعفة في مظهرهم، مع فقرهم وحاجتهم، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣].
وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «.. ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله» (١).
وقد كان من دعاء النبي - ﷺ -: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» (٢).
وقد وضع النبي - ﷺ - معيارًا للمسلم إذا جعله نصب عينيه فسيكون قرير العين بما آتاه الله راضيًا به عفيفًا عن التطلع والنظر إلى ما عند غيره.
عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا نظر أحدكم إلى من فَضُلَ عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه» (٣).
وفي رواية ذكرها «رزين» قال: قال رسول الله - ﷺ -: «انظروا إلى من هو أسفل منكم في الدنيا وفوقكم في الدين، فذلك أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» (٤).
_________________
(١) أخرجه الشيخان ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي، ابن الأثير، جامع الأصول ج ١٠ ص ١٣٩ رقم ٢٦١٧.
(٢) أخرجه مسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود، انظر المرجع السابق ج ٤ ص ٣٤٠ رقم ٢٣٦١.
(٣) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، المرجع نفسه ج ١٠ ص ١٤٢ رقم ٧٦٢٢.
(٤) الحديث نفسه.
[ ٢٩ ]
وبهذا المعنى أمرنا رب العالمين فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
كما أمر القرآن من لا يملكون نفقة الزواج أن يعفوا نفوسهم عن الحرام حتى يغنيهم الله من فضله فقال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه﴾ [النور: ٣٣].
وهذا الغنى وهذه العفة عما في أيدي الناس رغب فيها الإسلام وحث عليها وجعلها سببًا موصلًا إلى الجنة بل إن المتصف بها يكون من أهلها.
عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رفيق القلب لكل مسلم، وعفيف متعفف ذو عيال ..» (١).
وبعد: فهذه لمحة موجزة عن هدي الإسلام في طلب الكسب الحلال والاكتفاء به والقناعة برزق الله، والعفة عن الحرام، وهي حصن قوي ودرع واق للمسلم من الوقوع في الحرام أو التطلع إليه.